أما الناحية السياسية فهي معروفة، ولا نريد أن نطيل الحديث فيها، فهناك ثوابت فلسطينية تؤكد أنّ أيّ حلّ نهائي لا بد أن يقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على ترابها الوطني، تكون القدس الشريف عاصمتها، وهذا ما تؤكد عليه دبلوماسية الأردن المنحازة على الدوام للحق الفلسطيني. لكن ما أود الحديث عنه اليوم ليس الجانب السياسي، بل انعكاس هذا الواقع على حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية.
مررتُ قبل أيام بكنيسة المهد في بيت لحم لحضور إكليل لأصدقاء، ولاحظت إلى جوارها العديد من الدكاكين، أو ما نسمّيه محليًا “السنتوريات”، التي تعرض التحف والمسابح والتماثيل المنحوتة بإبداع من خشب الزيتون الفلسطيني. كانت معظم هذه المحال مغلقة، وبعضها مفتوحًا نصف فتحة، فيما كان أصحابها يشكون ليس من تراجع أعداد الزوار فحسب، بل من انعدامٍ شبه كامل للسياح والحجاج الذين كانوا يتوافدون إلى المكان بالعشرات، بل بالمئات، بل بالآلاف كل يوم. واليوم، يجلس هؤلاء الباعة يتأملون بلاط ساحة المهد، بعدما غاب عنه وقع أقدام الحجاج الذين كانت لغاتهم المختلفة تملأ المكان حياةً وفرحًا.
وتكرّر المشهد في اليوم التالي عندما ذهبت إلى القدس للصلاة في كنيسة القيامة؛ فالأسواق في البلدة القديمة، أو كما تغني فيروز في “شوارع القدس العتيقة”، تكاد تخلو من أي سائح أو حاج، وهو مشهد يبعث على الأسى، والتقيت بعدد من الباعة الذين أعرفهم منذ أيام الدراسة في بيت جالا، حين كنا نأتي إلى القدس كل يوم أو يومين، وما زلت أذكر القدس المفتوحة الأبواب، قبل الحواجز والإغلاقات، حين كنا نسير أحيانًا على الأقدام من بيت جالا إلى كنيسة القيامة والبطريركية اللاتينية في أقل من ساعة.
إنه لأمر مؤلم أن نرى كل ما بُني عبر سنوات طويلة قد تراجع إلى هذا الحد، فقد جاءت جائحة كورونا لتوجه ضربة قاسية إلى السياحة العالمية، ثم جاءت الحرب على غزة لتمنع الحجاج من الوصول إلى الأرض المقدسة، وأخيرًا زادت الحرب الإيرانية- الإسرائيلية الامريكية وما رافقها من توترات إقليمية من موجة إلغاء الحجوزات والرحلات المنظمة.
إلى أين يتجه المسار؟ لا أحد يستطيع أن يتنبأ، ولا تبدو في الأفق حتى الآن خطة سلام حقيقية، تبعا لنموّ المستوطنات بشكل سافر. لكن المؤكد أن السلام وحده قادر على إعادة الحياة إلى السياحة الدينية، فالمنطقة تحتاج إلى فترة من الاستقرار تستعيد خلالها ثقة الحجاج، فيعودون إلى الأرض المقدسة للتبرك بأماكنها المقدسة، وفي الوقت نفسه لدعم آلاف العائلات التي تعتمد في معيشتها على هذه الزيارات، من خلال بيع التحف الدينية المصنوعة بإتقان، وبمحبة، وبضمير حي.
وأترحم هنا على الصديق إبراهيم لولص من بيت جالا، أحد أبرز النحاتين على خشب الزيتون، الذي كرّس حياته لصناعة التحف الدينية التي حملها الحجاج إلى مختلف أنحاء العالم، كان يعتز برسالته وحرفته، لكنه رحل قبل أسابيع بسبب نقص الأدوية في الأراضي الفلسطينية، في انتهاكٍ مؤلم لأحد أبسط حقوق الإنسان، وهو الحق في العلاج وفي الحصول على الدواء.
وإذ نترحم عليه، نترحم أيضًا على واقع السياحة الذي بدا لي خلال هذه الأيام شبه ميت في بيت لحم والقدس، ونصلي إلى الله أن تستعيد السياحة الدينية ألقها في الأرض المقدسة، فهي بحاجة إلى عودة الحجاج، ليس فقط لإحياء المزارات المقدسة، بل أيضًا لإحياء الإنسان الذي يعيش بجوارها، ويحرسها بإيمانه وصبره، ويحافظ على حضورها المسيحي والإنساني المتواصل عبر الأجيال.
وهنا أستحضر ما دعا إليه الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس، في رسالته الرعوية الصادرة قبل أيام، حين ناشد المسيحيين في مختلف أنحاء العالم ألا ينسوا الأرض المقدسة، وأن يعودوا إليها متى سمحت الظروف، لأنّ الحج إليها ليس مجرد زيارة للأماكن المقدسة، بل هو أيضًا فعل تضامن ورجاء، ودعم مباشر للعائلات التي تصون هذا التراث الإيماني وتعيش منه، فالأرض المقدسة تحتاج إلى الحجاج، كما يحتاج الحجاج إلى الأرض المقدسة؛ ففي هذا اللقاء المتبادل تحفظ الذاكرة الحية للإنجيل، ويستمر حضور الجماعة المسيحية التي بقيت شاهدة على هذه الأماكن المقدسة عبر القرون.
وطبعا ما يقال عن واقع السياحة، ينطبق علينا في الأردن، فما زلنا في مرحلة التعافي، إذ إنّ السياحة لدينا قد تأثرت بشكل كبير في أحداث الاقليم، ونتكلم عن الأمر، كما فعلنا مرات كثيرة، وسنتوقف عند إنعاش الواقع السياحي في مقالات قادمة، بإذن الله.
