3
زلفا عساف –
أميّ، لقد سدّدتُ حربةً في قلبك تلك الليلة،
منذ ست سنوات وأنت لا تزالين تتعقّبين رائحة عطري في كلّ الأمكنة،
تذهبين إلى اللامكان، تعبثين في كلّ الموجودات، بحثًا عن أثر لي.
خذلك القدر، خذلتك بيروت، وخذلك حُبُّ هذا الوطن.
أيا وجعي، حلّقي معي قليلًا في ذاك السراب، حيث اللامكان، حيث اللأشلاء، حيث اللاجسد.
حلّقي في سمائي غير المُنتمية إلى هذا الوجود الأرضيّ.
حلّقي معي لأدخل أحشاءك مرّة أخرى، وأتحسّس نبض قلبك الحنون.
حلّقي معي كي نشعر بذاك التناغم الوالديّ.
نعم خذلتك، ولم يبقَ لي أثر تبحثين عنه، لتُصلّي على تلك الحفنة من لحم ودم.
خذلتك، لأنّك لم تجدِي منذ ذاك اليوم الأسود قطعةً من جسدي، لتُقيمي عليها مراسم الدفن وعرس الأعراس.
أبحث اليوم خجلًا عن عينيك، لأكفكف دموعهما الحارقة.
أبحث عن ابتسامتك الضائعة في متاهات هذا الكون الوسيع.
أبحث عن قلقك الجارف، وعن تلك الهمسات التي اشتقتُها.
أبحث عن أسئلتك الدائمة، وعن اتصالاتك التي افتقدتُها.
أبحث عن لمسات يديك تلفُّ وجهي وتُدغدغني غُنجًا ودلعًا.
أبحث عن توبيخك لي كلّما تأخّرتُ عن موعد العودة.
أبحث عن تلك الذكريات التي محاها الزمن وأوقفها بعد السادسة مساءً بثماني دقائق.
أبحث عن وجودك وعطرك.
والآن،
اسمحي لي أن أدعوك إلى اختطافٍ لحظيّ عند قارعة طريق السماء،
لنصلّي معًا من هناك، لبيروت، ولأهلها، وللوطن الجريح.
لنطلب من الخالق بلسمةَ جراح الأمهات.
لنتضرّع إلى الربّ أن يمنحهنّ الصبر والسلوان.
عسى أن يُحقّق الله سُبل العدالة، ليستكين قلبك وقلوبهنّ، وتنهض بيروتي.
وإلى تلك اللحظة، أغمضي الآن عينيك واحضنيني.
فقيدك المفقود
زلفا عسّاف
من كتابي “همسات على أوتار الروح”
