لم تكن الأخبار القادمة من ماليزيا خلال الأيام الماضية مجرد خبر عن أردنيين ضُبطوا وهم يمارسون التسول في شوارع كوالالمبور، فالقضية، وفق السلطات الماليزية، أكبر وأخطر، فحن أمام أطفال أردنيين ربما تعرضوا للاستغلال في التسول ضمن مجموعة تحقق معها السلطات الماليزية بتهمة الاتجار بالبشر.
الشرطة الماليزية أعلنت عن إنقاذ 17 طفلًا أردنياً تتراوح أعمارهم بين ثلاثة أشهر و14 عاماً، بينهم 8 أولاد 9 فتيات، وتوقيف 15 شخصًا يشتبه بتورطهم، تقول التحقيقات الأولية إن الأطفال كانوا يُستخدمون في التسول في مناطق مكتظة بالسياح والمتسوقين في كوالالمبور، والعائد اليومي يتراوح بين 500 و1000 رينغيت ماليزي، والسلطات صادرت 32 جواز سفر أردنياً وبعض الهواتف ومبالغ مالية.
عندما يدخل الأطفال في المعادلة فإننا ننتقل من قضية اجتماعية إلى قضية حقوقية وقانونية، وقد نكون أمام جريمة اتجار بالبشر إذا أثبت التحقيق ذلك. ومن الزاوية الأردنية، فإن أول ما ينبغي قوله هو إن الأطفال ليسوا متهمين، هؤلاء يحتاجون إلى الحماية والرعاية وإعادتهم إلى بيئة آمنة وبصرف النظر عن هوية الذين برفقتهم أو طبيعة علاقتهم بهم، فالطفل الذي يوضع في الشارع ليجمع المال ليس مسؤولًا عن القرار الذي أوصله إلى هناك، ولا يجوز أن يتحول إلى طرف في العقوبة، لكن من يثبت تورطه في استغلال الأطفال والاتجار بهم يجب يتحمل مسؤوليته القانونية، سواء الجريمة داخل الأردن أو خارجه، هذه نقطة مهمة جداً في التعامل مع القضية، فالأردن لا ينبغي له التدخل في عمل القضاء الماليزي لكنه في الوقت نفسه مسؤول عن مواطنيه وعن تطبيق قوانينه على من تثبت مسؤوليته منهم.
جاء الموقف الأردني واضحاً حين أعلنت وزارة الخارجية الأردنية متابعتها أوضاع الأردنيين وخاصة الأطفال بالتنسيق مع السلطات الماليزية، وأن السفارة الأردنية هناك تتابع وضع المستغَلين وتقدم لهم المساعدة اللازمة لحين إعادتهم إلى المملكة، الأهم أن الوزارة أعلنت أن المتهمين سوف يُحالون إلى القضاء الأردني المختص عند عودتهم وفق القوانين الوطنية منها قانون منع الاتجار بالبشر.
لكن القضية تفتح باباً آخر لا يقل أهمية، يتعلق بصورة الأردني في الخارج، فمن المؤسف أن تبرز صورة الأردني في وسائل الإعلام الماليزية في قضية مرتبطة باستغلال الأطفال كمتسولين، الأردني في الخارج يمثل بلده شئنا أم أبينا، وكل سلوك فردي يترك انطباعاً لدى المجتمع الذي يعيش فيه عن بلد بأكمله وعلى الأردن أن ينظر إلى القضية باعتبارها جرس إنذار يستحق التوقف عنده، فإذا كان هناك أردنيون ينتقلون إلى دول بعيدة مع أطفال بقصد التسول، فالمطلوب دراسة كيف غادر هؤلاء، كيف دخلوا ماليزيا، من نظم سفرهم، هل هناك شبكات مشابهة تعمل في دول أخرى، هل سبق وتكررت الأساليب ذاتها مع أردنيين أخرين؟
لأحسنت وزارة الخارجية عندما تعاملت مع الموضوع من زاويتين متوازيتين، حماية الأردنيين الذين تعرضوا للاستغلال، وملاحقة المتهمين بالتنسيق مع السلطات المختصة، وهذه هي الدبلوماسية القنصلية التي ينتظرها المواطن من دولته عندما يتعرض لمشكلة خارج الحدود.
الأردن لا يحتاج إلى الدفاع عن الخطأ عندما يثبت، ولا يحتاج في الوقت نفسه إلى جلد نفسه بسبب خطأ ارتكبه أفراده، ما يحتاجه هو موقف وطني متوازن يقول بوضوح، الأردني أينما كان له حق الحماية، الطفل الأردني له اولوية في الرعاية، ومن يستغل إنساناً أو طفلاً لتحقيق مال يجب أن يحاسب، مهما كانت جنسيته ومهما كانت صلته بالضحية، فالقضية في جوهرها ليست قضية تسول ولا قضية سمعة؛ إنها قضية كرامة طفل، هيبة قانون، مسؤولية دولة، وصورة وطن يحملها الأردني معه أينما ذهب
