هل يوجد في تشريعاتنا نصوص واضحة تُجرّم الإساءة أو السخرية من الشخصية الأردنية ؟ لا أدري ، ما أعرفه أن البعض في بلدنا يمارسون – باسم الفن والدراما، وعلى الإذاعات والشاشات – مثل هذه الأفعال ، لم أسمع أن أحداً منهم تعرض للمساءلة ، لا أتحدث هنا عن الذباب الإلكتروني ، والأسماء المجهولة التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي ، وتسيء للدولة الأردنية ، وإنما عن وقائع وعن أشخاص حاضرون في فضائنا العام ، يحظون بالتكريم والتلميع ، يقدمون أنفسهم متحدثين باسمنا، هؤلاء لا يترددون عن السخرية من “الذات الأردنية “، صورة الأردني ،كما تبدو في خطابهم، صورة نمطية سلبية ، تجمع بين التخلف والتعصب و ” الهبلنة” وقلة الفهم.
في دول عديدة من حولنا ، يعرفها القارئ الكريم ، لا يجرؤ أي مواطن أو مقيم على مسّ الشخصية الوطنية، تلميحاً أو تصريحاً ، بأي كلمة أو عبارة أو صورة مُشينة ، وإذا حدث ذلك ، وقد يحدث أحياناً، فإن القانون يتحرك على الفور لاتخاذ الإجراءات الحازمة ، تحصين الشخصية الوطنية جزء من الكرامة الوطنية وحمايتها من أهم واجبات الدولة، لأنها المدار الذي تتحرك فيه قيم الانتماء والاعتزاز داخل كل مواطن اتجاه وطنه ، كما أن هذه الكرامة يجب أن تكون حاضرة دائما فيما يقدم للجمهور ، في مصر ، مثلاً، يوجد تشريعات تمنع استخدام الشخصية المصرية في إطار السخرية أو الازدراء أو التقليل من القيمة في أي أعمال درامية أو إعلامية.
الإساءة للشخصية الأردنية التي نسمعها تتردد في فضائنا العام لم تحدث صدفة ، إنهاء جزء من محاولات خبيثة ، قديمة ومستمرة، لطمس الهوية الوطنية الأردنية، واجتزاء التاريخ وتشويهه ، وانتزاع الوعي على الأردن من سياقة الوطني لكي يدور في أفلاك أخرى ، أو يتعلق وينشغل بها ، او يمجدها، لقد قصر الأردنيون بحق أنفسهم وبلدهم حين تسامحوا مع هذه الموجات التي تغطت بعباءات الفن والثقافة والتاريخ .. الخ، أو حين اعتبروها مجرد كلمات عابرة لا تستحق الرد والإدانة والتصحيح.
من المفارقات أن الشخصية الوطنية في اغلبية بلداننا العربية حظيت بالدراسة والبحث؛ من حيث سماتها وخصوصياتها، وما طرأ عليها من تحولات وتطورات ، علي الوردي كتب عن “الشخصية العراقية” ، جمال حمدان كتب عن” عبقرية مصر”، أهل الخليج كتبوا عن شخصياتهم الوطنية وأحاطوها بالرعاية والاهتمام ، حتى على صعيد الالتزام باللباس والتقاليد، نحن الأردنيين بحاجة إلى المفكر الوطني الأردني لكي يكتب عن الذات والشخصية الأردنية، وهي أرض خصبة للبحث ، وميدان واسع لإثراء العقل والوجدان الأردني ، وخزان مهم لانعاش الوعي على الأردن ومن أجله.
تبقى نقطة مضيئة ، لدينا اليوم جيل من الشباب الأردني يعرف الأردن ويفهمه ويقدره، يقف حارسا أمينا للدفاع عن الهوية والشخصية الوطنية ، ويتصدى ببسالة لكل من يحاول الأساءة لها او تشويهها أو السخرية منها، هذا الجيل تحرر من زيف التيارات التي التي أدرجت بلدنا ملحقا في ساحات الآخرين ، أو طلقة في بنادقهم، او هامشاً على متونهم ، لكنه -أقصد هذا الجيل – يحتاج لمن يعززه ويدعمه ، لمن يأخذ سرديته بما تستحقه من احترام وتقدير ، لكي يأتي اليوم الذي تصبح فيه الشخصية الأردنية مركزا يدور حوله الأردنيون ، ومصدرا للاعتزاز بوطنهم وتاريخهم وإنجازاتهم ، وهو آت لا محالة .
2
