كتب الإعلامي سماح مطر –
أتابع ما يُتداول من تصريحات ومواقف حول لبنان، وأرى أن المشهد لم يعد يُدار بالسياسة التقليدية، بل بمنطق “الرسائل المتقاطعة” التي تختلط فيها المواقف الحقيقية بالتسريبات، والوقائع بالضجيج الإعلامي، حتى بات من الصعب أحياناً التمييز بين ما هو قرار فعلي وما هو ضغط سياسي مقصود.
في هذا السياق، تتداول بعض المنصات السياسية والإعلامية حديثاً عن تهديدات منسوبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب تتصل بدور محتمل لأحمد الشرع في لبنان، في مقابل نفي أو تحفظات أو مقاربات مختلفة من الطرف الآخر الذي يبدو أنه يفضّل صيغة العلاقات أو التفاهمات مع بيروت بدلاً من أي مسار صدامي. لكن ما يجب الانتباه إليه هنا ليس صحة كل تفصيل بقدر ما هو خطورة “السردية” نفسها وكيف تُستخدم.
لبنان تاريخياً لا يُستهدف بالأحداث بقدر ما يُستهدف بسردياتها. كل مرحلة حساسة في المنطقة تتحول إلى مرآة تُسقط عليها القوى الإقليمية والدولية حساباتها، فيما يبقى الداخل اللبناني هو ساحة الانقسام الأسهل اشتعالاً. وهنا تكمن المعضلة الأساسية: نحن لا نناقش فقط ما يحدث، بل كيف يُراد لنا أن نرى ما يحدث.
ما يثير القلق فعلياً ليس “سيناريو الدخول أو عدم الدخول”، بل هذا الانفجار في الخطاب السياسي الداخلي الذي يعيد إنتاج الطائفية والانقسام عند كل إشاعة أو تسريب. بعض السياسيين في الداخل يتعاملون مع كل متغير خارجي وكأنه فرصة لتسجيل نقاط داخلية، ولو كان الثمن إعادة فتح جراح لم تلتئم بعد.
في العمق، لبنان لا يُدار بمعزل عن التوازنات الإقليمية. أي حديث عن دور خارجي جديد، سواء عبر سوريا أو غيرها، لا يمكن فصله عن إعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة، خصوصاً في ظل التحولات الكبرى التي تمر بها المشرق العربي، من إعادة ترتيب العلاقة بين القوى الكبرى، إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي نفسه.
لكن السؤال الأهم: هل نحن أمام “تغيير فعلي” في شكل الدور الإقليمي تجاه لبنان، أم أمام موجة ضغط سياسي هدفها إعادة التموضع ورفع سقف التفاوض فقط؟
من تجربتي في قراءة هذا النوع من الملفات، غالباً ما يكون الضجيج أعلى من الفعل. تُستخدم العناوين الكبيرة لتثبيت أوراق تفاوض، أو لإرباك الداخل اللبناني ودفعه نحو مزيد من الانقسام، بينما تبقى القرارات الفعلية محكومة بتوازنات أوسع بكثير من قدرة أي طرف منفرد على فرضها.
أما لبنان نفسه، فهو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، ليس لأنه بلا وزن، بل لأن انقسامه الداخلي يجعله قابلاً للاستخدام في أكثر من اتجاه. عندما يغيب القرار الوطني الجامع، يصبح الخارج أكثر حضوراً، ليس بالقوة فقط، بل بالفراغ الداخلي أيضاً.
في النهاية، لا أرى أن السؤال الحقيقي هو: “هل سيدخل الشرع إلى لبنان؟”، بل السؤال الأعمق هو: لماذا يُفتح هذا النوع من الأسئلة أصلاً في هذا التوقيت؟ ومن المستفيد من تضخيمه؟
الجواب، في كثير من الأحيان، لا يكون في الخارج وحده، بل في الداخل أيضاً، حيث تتحول السياسة إلى منبر صراع دائم، وتتحول المواقف إلى أدوات تعبئة، بدل أن تكون أدوات إدارة دولة.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من السيناريوهات، بل إلى تقليل المساحات التي تتحول فيها السيناريوهات إلى وقود داخلي. لأن أخطر ما يهدد أي بلد ليس ما يُخطط له في الخارج، بل ما يُصدَّق ويُضخَّم في الداخل
