في الوقت الذي يُفترض أن تكون فيه منظومة العدالة ملاذاً آمناً للنساء الهاربات من العنف والخوف والتهديد، تكشف ورقة السياسات الصادرة عن مركز العدل للمساعدة القانونية عن حقيقة مقلقة تتمثل في وجود فجوات إجرائية وتشريعية تسمح، في بعض الحالات، بتحويل الضحية إلى موضع اشتباه، وباستعمال بلاغات “التغيب عن المنزل” كأداة ضغط اجتماعي وقانوني بدلاً من أن تكون وسيلة للحماية. ومن هنا تبرز أهمية هذه الورقة النوعية التي لا تكتفي بكشف الخلل، بل تضع إصبعها على أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، وتفتح نقاشاً وطنياً شجاعاً حول العلاقة بين الحماية والحرية، وبين السلطة التقديرية والحقوق الدستورية.
لقد قدم مركز العدل للمساعدة القانونية عملاً حقوقياً استثنائياً يرقى إلى مستوى الوثائق الإصلاحية المرجعية، حيث نجح في تفكيك الممارسات القائمة، وكشف آثارها على النساء والفتيات، وطرح رؤية متقدمة تجعل من كرامة الإنسان وحريته الشخصية أساساً لأي استجابة مؤسسية أو قانونية. فالورقة لا تدافع عن فئة بعينها فحسب، بل تدافع عن جوهر دولة القانون، وعن المبدأ الدستوري الذي يؤكد أن الحرية حق أصيل لا يجوز تقييده إلا بنص قانوني واضح وصريح.
وتتمثل إحدى أهم الرسائل التي حملتها الورقة في التأكيد على حقيقة قانونية أساسية طالما غابت عن النقاش العام، وهي أن التشريع الأردني لا يجرم فعل “التغيب عن المنزل” بالنسبة للبالغين، ما يعني عدم وجود أي أساس جزائي يبرر ملاحقة النساء أو تقييد حركتهن أو معاملتهن كما لو كن مطلوبات للعدالة. ومع ذلك، تكشف الورقة عن واقع مختلف، يتمثل في تعميم أسماء النساء المتغيبات على المراكز الأمنية والمعابر الحدودية، الأمر الذي يفضي عملياً إلى وصمهن والتعامل معهن باعتبارهن فارّات أو مخالفات، رغم أنهن لم يرتكبن أي فعل مجرم قانوناً.
وتكمن قوة هذه الورقة في أنها لا تكتفي بوصف المشكلة، بل تكشف آثارها الإنسانية والاجتماعية والقانونية. فالكثير من النساء اللواتي يغادرن منازلهن لا يفعلن ذلك تمرداً أو خروجاً على القانون، بل هرباً من بيئات يسودها العنف أو التهديد أو الإكراه. لكن المفارقة المؤلمة أن بعضهن يجدن أنفسهن بعد الفرار من الخطر أمام خيارات محدودة قد تنتهي بإعادتهن إلى البيئة ذاتها التي دفعتهن إلى المغادرة، أو بإيداعهن في مؤسسات حماية مقيدة الحركة، أو حتى بتوقيفهن إدارياً، بينما يبقى مصدر الخطر الحقيقي خارج دائرة المساءلة.
ومن أبرز ما يحسب للورقة شجاعتها في تسليط الضوء على قضية البلاغات الكيدية، وهي قضية شديدة الحساسية وتمس جوهر العدالة. فقد أوضحت الورقة أن بعض بلاغات التغيب لا تقدم بدافع الخوف الحقيقي على المرأة، وإنما تستخدم أحياناً كوسيلة للضغط عليها أو للحد من حريتها أو لإجبارها على التنازل عن حقوقها المالية أو الشرعية. والأخطر من ذلك أن الثغرات التشريعية الحالية لا توفر معالجة جزائية كافية لهذه الممارسات، الأمر الذي يجعل من مراجعة النصوص القانونية ضرورة ملحة لحماية الأفراد من إساءة استخدام الإجراءات القانونية والإدارية.
كما تستحق الورقة الإشادة لما قدمته من رؤية إصلاحية متوازنة لا تنطلق من منطق المواجهة، بل من منطق بناء سياسات أكثر عدالة وفعالية. فهي تدعو إلى توجيه التدابير الاحترازية نحو مصدر الخطر بدلاً من الضحية، وإلى وقف التوقيف الإداري للناجيات من العنف، وتعزيز البدائل الآمنة التي تحترم إرادة المرأة وحقها في اتخاذ القرار بشأن حياتها ومكان إقامتها. وهذه توصيات تنسجم مع مبادئ حقوق الإنسان ومع أفضل الممارسات الحديثة في مجال الحماية من العنف الأسري.
لقد قدم مركز العدل للمساعدة القانونية من خلال هذه الورقة نموذجاً يحتذى به في البحث القانوني التطبيقي، الذي يجمع بين الرصد الميداني والتحليل التشريعي والرؤية الحقوقية المتوازنة. وهي ليست مجرد ورقة سياسات عابرة، بل وثيقة إصلاحية جادة تضع أمام صناع القرار فرصة حقيقية لمعالجة اختلالات قائمة وتعزيز الضمانات الدستورية وترسيخ مبدأ أن الحماية لا يمكن أن تتحقق على حساب الحرية.
إن هذه الورقة تستحق أن تُقرأ بعناية من قبل المشرعين والقضاة وصناع القرار والمؤسسات الحقوقية والجهات التنفيذية، لأنها تذكرنا بحقيقة جوهرية مفادها أن العدالة الحقيقية لا تبدأ من ملاحقة الضحايا، بل من حماية حقوقهم ومحاسبة من يهدد أمنهم وسلامتهم. وعندما يصبح الهروب من العنف سبباً للملاحقة، فإن الإصلاح لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية وأخلاقية وقانونية لا تحتمل التأجيل.
