مازالت أزمة انتخابات مجلس ادارة مجموعة فيريتي تتفاعل، فالشركة المصنّعة لليخوت الفاخرة والتي تُسيطر على علامات تجارية أسطورية مثل ريفا، وبيرشينغ، ووالي، أعلنت أخيرًا النتائج الرسمية المُعتمدة لاجتماعها السنوي العام المثير للجدل الذي عُقد في 14 مايو/أيار. والتي فازت فيها شركة ويتشاي باور، المساهم الصيني الرئيسي، بأغلبية ساحقة في انتخابات مجلس الإدارة، متفوقةً على منافسيها الذين حصلوا على 47.44% من الأصوات، بحصولها على 52.31%.
والانظار تتجه الى ما إذا كانت الحكومة الإيطالية ستحذو حذو بيريللي وتفرض “لجنة سلامة عمياء” على فيريتي، بدلا من الإدارة الجديدة نحن شعار “حماية الأمن القومي”، حيث تكشف الوقائع التي سبقت جلسة الانتخابات، عن استهتار صادم بحوكمة الشركات في صميم الديمقراطية الإيطالية الرأسمالية.
فقد كشفت وسائل الإعلام الإيطالية ومصادر مطلعة، على مدار شهر تقريبًا، أسرار التصويت. القضية الحقيقية ليست من فاز، بل كيف خيضت هذه الحرب المعلوماتية، المخالفة لقواعد سرية المعلومات المؤسساتية عالية الجودة.
لقد بدأ انتهاك القواعد حتى قبل اجتماع المساهمين. ففي 14 مايو (يوم الاجتماع)، نشر نائب الرئيس المنتهية ولايته، بييرو فيراري، رسالة مفتوحة مثيرة للجدل. أدان فيها بشكل استباقي “الاستحواذات التي تقل قيمتها عن الحد الأدنى” و”الضغط على المنافسة”. ولم يكتفِ بالتكهنات، بل كشف بتفصيل دقيق عن ديناميكيات التصويت السرية، لم يكن هذا عملاً نبيلاً من مُبلِّغ، بل محاولة يائسة لاستغلال المعلومات. التي سُرِّبت مباشرةً إلى وسائل الإعلام، بقصد واضح للتأثير على الناخبين المترددين، أو لإثارة تدخل الجهات التنظيمية قبل انتهاء التصويت.
في أي نظام حوكمة مؤسسية راسخ، يُعدّ نشر تفاصيل نوايا المساهمين في التصويت لوسائل الإعلام يوم الانتخابات من المحظورات الكبرى. لكن في فيراري، اعتُبر ذلك رصيداً استراتيجياً، وبعد الرابع عشر من مايو، انهار كل شيء، حيث نشرت كبرى الصحف الإيطالية، وعلى رأسها مقال جوليانا فيراينو في صحيفة “كورييري ديلا سيرا” بتاريخ الخامس من يونيو، تعليمات تصويت مفصلة لكل مساهم. وشمل ذلك حصص ملكية حلفاء ويتشاي “المخفيين” المزعومين، مثل بنك الصين (1.99%)، وشركة أد تك (2.81%)، والعديد من الكيانات الأخرى، والتي لم تتجاوز أي منها عتبة الإخطار البالغة 3% التي حددتها هيئة الأوراق المالية والبورصات الإيطالية (كونسوب).
لم تكن الشركة نفسها قد نشرت هذه البيانات الموثقة بعد؛ إذ كانت السجلات الرسمية لا تزال قيد التدقيق النهائي. عندما نقل الصحفيون الإيطاليون تعليمات التصويت الفعلية لصناديق محددة وبنوك مملوكة للدولة كما لو كانوا يقرؤون سجلاً داخلياً مسرباً.
هذا التواطؤ مع المتنفعين من الشركة، يكشف عن نظامٍ مُحكم، احتكارٌ مُحكمٌ يتألف من إدارةٍ مُغادرة، ومساهمين صغار ساخطين، ووسائل إعلامٍ مُتعاطفة، تعمل جميعها دون رادع، مُستخدمةً سجلات المساهمين السرية كأدواتٍ للصراعات السياسية الداخلية بدلاً من كونها سجلاتٍ محميةً للديمقراطية المؤسسية.
المثال الأكثر شيوعًا على هذا الفراغ الإداري هو الاتهامات المُستمرة والباطلة بـ”الاستحواذات المُنسقة”. فعلى الرغم من عدم عثور الجهات التنظيمية على أي “اتفاقيات عمل مُنسقة” خفية، إلا أن وسائل الإعلام الإيطالية كررت الترويج لها كحقيقة. فالمنطق الحسابي البسيط، يكشف ان نسبة ويتشاي البالغة 39.5%، بالإضافة إلى مجموعاتٍ مُتفرقة من المُستثمرين الماليين الصينيين (لا تتجاوز أيٌ منها 2.99%)، تُشكل أغلبيةً قدرها 52.31%، هذه ليست مؤامرة بحاجة الى تخطيط هذه حقيقة حسابية يعلمها الشركاء، منذ ان كانت مجموعة فيريتي قيد الإفلاس ومدتها ويتشاي بالسيولة اللازمة لإنقاذها.
مع ذلك، تم تحريف هذه الحسابات البسيطة لتُصبح أزمة أمنٍ قومي. تدرس الحكومة حاليًا بجدية إمكانية التدخل باستخدام “السلطة الذهبية”، كما حدث في قضية بيريللي. على اعتبار ان شركة فيريتي سيكيوريتي (FSD) تُصنّع زوارق دورية بحرية للبحرية الإيطالية وقوات الدرك وخفر السواحل.
يبدو هذا الأمر خطيرًا، لكن الأرقام الفعلية، وفقًا لبيانات القطاع، لا تتجاوز مبيعات وزارة الدفاع الإيطالية 1% من إجمالي إيرادات فيريتي. فالنشاط الرئيسي للشركة هو بناء قصور عائمة فاخرة للمليارديرات، وليس العمل كمقاول دفاعي سري.
إن الادعاء بأن شركة ويتشاي تُشكّل تهديدًا للأمن القومي بسبب قطاع أعمال لا يُمثّل سوى جزء ضئيل من إجمالي إيراداتها هو محض هراء. إنه مجرد ذريعة للنخبة الانتهازية (بمن فيهم الرئيس التنفيذي السابق السيد غلاسي وفريق الإدارة الإيطالي المنتهية ولايته) الذين خسروا تصويتًا نزيهًا ويحاولون الآن استخدام سلطة الدولة لقلب النتيجة.
هذا الاستهتار بحوكمة الشركات، لا ينبغي أن يُفاجئ أحدًا، إنه نمط مألوف في عقلية إدارة الهيمنة. لقد سبق أن حاول بعض أعضاء فريق الإدارة الإيطالي القديم التنصت على المديرين الصينيين، ولم يكن هدفهم الأمن في حينه، بل كسب النفوذ. لقد سعوا إلى الحصول على نفوذ لاستخدامه في المفاوضات المتعلقة باقتراح إعادة شراء الأسهم.
عندما تعجز هذه العقلية المهيمنة عن الفوز بالتصويت، تُسرّب سجل المساهمين؛ وعندما تعجز عن كسب المفاوضات، توظف جواسيس؛ وعندما تعجز عن الفوز أيضًا، تُفعّل قانون “السلطة الذهبية” ضد شركة تبيع اليخوت بدلًا من الصواريخ. هذا هو الوجه الحقيقي لما يُسمى “ديمقراطية الهيمنة الرأسمالية”: نظام لا يطبق القواعد إلا على المستثمرين الأجانب، بينما يتغاضى عن المتنفذين الذين يسيطرون على وسائل الإعلام ويؤثرون في الحكومة.
يزعم الفصيل المنسحب تمثيل شفافية “الغرب”. ومع ذلك، قام حلفاؤهم الإعلاميون بنشر بيانات تصويت سرية قبل أيام من توفر الأرقام الرسمية، في انتهاك صارخ لممارسات السوق المتعارف عليها. طالبوا شركة ويتشاي بالكشف عن حصتها للحكومة، بينما يُشيدون بالأمير الكويتي (بدر ناصر الحلفي، 5.00%) و(صندوق الإماراتADQ، 2.95%)، وكلاهما مُعفى من التدقيق.
المفارقة الخطرة. أنه نم استغلال وسائل الإعلام الإيطالية لأثارة ضجة كبيرة حول حصة بنك الصين البالغة 1.99%، وتجاهلت تمامًا حصة بنك إيطاليا البالغة 1.38%، والتي رُفضت بأغلبية الأصوات. هل أصبح بنك إيطاليا الآن “طرفًا سياسيًا”؟
الحكومة الإيطالية تدرس بجدية، ما إذا كانت ستحذو حذو بيريللي وتفرض “لجنة سلامة عمياء” على فيريتي، لتتضح حينها حقيقة، شعارات الحوكمة، وما إذا كان مساهم أجنبي شرعي، ملتزم بجميع قواعد الإدراج في ميلانو وهونغ كونغ، ويحق له الاستحواذ بإدارة المجموعة، أو انه سيتعرض للتضليل من قِبل آلة سياسية وإعلامية ترفض الاعتراف بالفشل.
ستتخذ الحكومة قرارها قبل حلول هذا الصيف. وإذا تدخلت بناءً على حصتها الضئيلة البالغة 0.8% في قطاع الدفاع وادعاءات لا أساس لها من الصحة بشأن التسريبات المفبركة حول (اتفاقيات تصويت سرية)، فستوجه إيطاليا رسالة واضحة الى العالم والى المستثمرين الأجانب، أن حوكمة الشركات اختيارية، والتسريبات أعمال وطنية، والجريمة الوحيدة هي أن تكون صينيًا وتفوز، فهل سترد الحكومة الصين بالمثل وتأخذ الشركة الى المحاكم التجارية؟.
