عروبة الإخباري –
تثبت الدكتورة الإعلامية عبير العربي، يومًا بعد يوم، أنها واحدة من الأصوات الإبداعية التي لا تكتفي بالكتابة بوصفها ممارسة أدبية، بل تتعامل معها باعتبارها مشروعًا فكريًا وإنسانيًا متكاملًا، يقوم على التنوع والبحث المستمر عن مساحات جديدة للتعبير، والانحياز الدائم لقيمة المعنى قبل الشكل، وللرسالة قبل الأثر اللحظي.
فمن خلال تجربتها السابقة في إصداريها «ونس سلف» و«على مهل خرجت من ظله»، فقد نجحت، د. عبير العربي في تقديم حضور أدبي لافت، اتسم بحس إنساني عميق، ولغة قريبة من الوجدان، وقدرة واضحة على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تشكل في مجموعها ملامح التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من ألم وتأمل ووعي. وقد أسهم ذلك في ترسيخ مكانتها ككاتبة تمتلك بصمتها الخاصة، القادرة على الجمع بين الرؤية الفكرية واللمسة الأدبية الهادئة المؤثرة.
واليوم، تواصل الدكتورة عبير العربي مسارها الإبداعي بخطوة أكثر اتساعًا وعمقًا، من خلال خوضها تجربة الأدب العسكري في إصدارها الجديد «30 يومًا على خط القنال»، وهو عمل يعكس انتقالًا نوعيًا في مسيرتها، لا يُفهم بوصفه مجرد تغيير في الموضوع، بل بوصفه اتساعًا في أفق الكتابة، وانفتاحًا على ذاكرة الوطن بكل ما تحمله من بطولات وتضحيات وملاحم خالدة.
ويأتي هذا الإصدار ليعيد قراءة واحدة من أهم المحطات الوطنية في التاريخ المصري، حيث يتناول فترة مفصلية ارتبطت بروح الصمود والإرادة، مستلهمًا بطولات رجال القوات المسلحة المصرية، ومجسّدًا في الوقت ذاته قوة الوعي الجمعي للشعب المصري في مواجهة التحديات. ويقدم العمل رؤية أدبية تتجاوز التوثيق التقليدي، نحو إعادة بناء الحدث بروح إنسانية تجعل من التاريخ تجربة حية تُقرأ وتُشعر وتُفهم، لا مجرد وقائع تُروى.
وتُعد هذه الخطوة امتدادًا طبيعيًا لتنوع العربي الإبداعي، الذي يعكس شخصية أدبية لا تخشى التجريب، ولا تتقيد بقالب واحد، بل تنطلق من إيمان واضح بأن الكاتب الحقيقي هو من يملك القدرة على عبور الأنواع الأدبية المختلفة دون أن يفقد هويته أو صوته الخاص. وهو ما يظهر جليًا في هذا التحول نحو الأدب الوطني والعسكري، باعتباره مساحة أكثر اتساعًا للتعبير عن الانتماء والوعي والذاكرة.
وقد أعلنت الدكتورة عبير العربي، عبر صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك، اقتراب الاحتفاء بإطلاق هذا العمل، مؤكدة أنه يمثل أولى تجاربها في الأدب العسكري، وبداية لمسار جديد أكثر ارتباطًا بالبعد الوطني والتاريخي، حيث قالت: «إن شاء الله نحتفل قريبًا سويًا بهذا العمل، والذي أعتبره الأول في الأدب العسكري… وإن شاء الله لن يكون الأخير».
وأشارت إلى أن اختيار توقيت الإعلان عن الإصدار لم يكن عابرًا، بل جاء متزامنًا مع محطات وطنية ذات دلالة خاصة، هي ذكرى ثورة 30 يونيو، وأحداث 3 يوليو، إلى جانب اقتراب يوم ميلادها في 13 يوليو، بما يعكس تداخل البعد الشخصي مع البعد الوطني في لحظة إبداعية واحدة، تتجسد فيها رمزية المكان والزمان والمعنى.
إن «30 يومًا على خط القنال» لا يأتي بوصفه كتابًا فقط، بل باعتباره شهادة أدبية على مرحلة من أهم مراحل التاريخ الوطني، ومحاولة واعية لإعادة تقديم الذاكرة المصرية بلغة تجمع بين الحس الإبداعي والوعي التاريخي، في إطار رؤية تؤمن بأن الأدب قادر على حفظ ما تعجز عنه الذاكرة العابرة، وأن الكلمة الصادقة قد تتحول إلى وثيقة خالدة في سجل الأمة.
ويُتوقع أن يشكل هذا الإصدار إضافة نوعية إلى المشهد الأدبي العربي، من خلال ما يقدمه من مقاربة مختلفة للأدب الوطني، تجمع بين العمق الإنساني والبعد التاريخي، وتؤكد أن الإبداع الحقيقي هو ذلك القادر على حمل رسالة تتجاوز حدود النص إلى فضاء الوعي العام.
وتختصر المؤلفة فلسفة هذا العمل في عبارتها اللافتة: «حين يكتب الوطن… تتحول الحكاية إلى تاريخ».
