عروبة الإخباري كتب طلال السُكرّ –
هناك أشخاص يمرّون في الحياة كعابرين، وهناك من يأتون حاملين رسالة، يزرعون الجمال في وجه القبح، ويشعلون شموع الأمل في زمنٍ تتكاثر فيه العتمة. ومن بين هؤلاء تتوهج الدكتورة رويدا الرافعي، كنجمة استثنائية في سماء الإبداع، فنانة لا ترسم بالألوان وحدها، بل ترسم بالوجدان، وتنحت من الفن قضية، ومن الجمال رسالة، ومن الإبداع وطناً من الضوء.
وحين تتحدث رويدا الرافعي، فإن الطبيعة تنصت، وحين تبدع، تُحلّق الطيور في فضاءات الحرية، لأن فنها ليس ترفاً بصرياً، بل نبض إنساني عميق يحمل همّ الأرض ويصون ذاكرة السماء. إنها المرأة التي جعلت من ريشة الفن جناحين للحياة، ومن أعمالها منابر للدفاع عن البيئة، ومن إبداعها رسالة حب إلى الإنسان والطبيعة معاً.
ملحمة جمالية وإنسانية كتبتها بلغة الضوء والروح
وفي عملها البيئي الاستثنائي «دعوها تحلّق بسلام»، لم تقدّم الدكتورة رويدا الرافعي مجرد مجسم فني، بل أطلقت ملحمة جمالية وإنسانية كتبتها بلغة الضوء والروح، لتعلن أن الطيور المهاجرة ليست أهدافاً للرصاص، بل قصائد تطير في السماء، وأن حماية الطبيعة ليست خياراً، بل مسؤولية أخلاقية وحضارية.
لقد أثبتت الدكتورة رويدا الرافعي أنها ليست فنانة تشكيلية فحسب، بل مدرسة متكاملة في الفكر والجمال والالتزام الإنساني، وأنها من القامات الثقافية التي تؤمن بأن للفن رسالة تتجاوز الجدران والصالات والمعارض، لتصل إلى الإنسان في وجدانه، وإلى المجتمع في وعيه، وإلى الوطن في هويته.
وفي زمن تتعرض فيه البيئة إلى أخطار متزايدة، وتواجه فيه الطيور المهاجرة شبح الصيد الجائر والاندثار، جاءت الرافعي لتقف بشجاعة الفنان المؤمن بقضيته، رافعة راية الحياة، ومطلقة رسالة حب إلى الطبيعة، مؤكدة أن الطيور ليست مجرد كائنات عابرة في السماء، بل سفراء للجمال والتوازن البيئي وشركاء في استدامة الأرض وحماية التنوع الحيوي.
إن عبقرية هذا العمل تكمن في رمزيته العميقة؛ فقد استطاعت الدكتورة رويدا الرافعي أن تحوّل الرصاص، رمز الموت والدمار، إلى عمل فني ينبض بالحياة والتحليق والأمل، وكأنها تقول للعالم أجمع إن الفن قادر على الانتصار للحياة، وقادر على تحويل الألم إلى جمال، والخراب إلى رسالة سلام.
ولم يكن اختيارها لشعار «دعوها تحلّق بسلام» مجرد عنوان، بل كان موقفاً أخلاقياً وإنسانياً عميقاً يختصر فلسفتها الفنية ورسالتها الحضارية، ويؤكد أن حماية الطبيعة ليست ترفاً فكرياً، بل واجب وطني وإنساني يقع على عاتق الجميع.
اهداء رسالة وفاء ورسما جديداً لصورة طرابلس الفيحاء
لقد أهدت الدكتورة رويدا الرافعي هذا الإنجاز إلى مدينتها الحبيبة طرابلس الفيحاء، المدينة التي لطالما كانت منارة للثقافة والإبداع، فكان الإهداء رسالة وفاء وانتماء، ورسماً جديداً لصورة طرابلس التي تستحق أن تُعرف بمدينة الفن والجمال والحضارة.
إن الفنانة الكبيرة رويدا الرافعي نجحت في أن تجعل من الفن جسراً بين الإنسان والبيئة، وبين الجمال والمسؤولية، وبين الإبداع والرسالة. فكل عمل تقدمه يحمل رؤية فكرية وإنسانية عميقة، وكل لوحة أو منحوتة تخرج من بين يديها تتحول إلى قصة حب للحياة، وإلى دعوة للتأمل في عظمة الطبيعة وضرورة حمايتها.
ولعل الحضور الرسمي والثقافي والبيئي الكبير الذي واكب افتتاح هذا العمل لم يكن إلا دليلاً واضحاً على المكانة الرفيعة التي تحتلها الدكتورة رويدا الرافعي في المشهد الثقافي اللبناني والعربي، وعلى التقدير الكبير لمسيرتها الحافلة بالعطاء والإبداع والالتزام بالقضايا الإنسانية والبيئية.
إن الدكتورة رويدا الرافعي، هي أيقونة للإبداع الملتزم، وسفيرة للجمال، وصوت للبيئة، ورسولة سلام تحمل في ريشة الفن رسالة حياة، إنها نموذج للفنان الحقيقي الذي لا يكتفي بصناعة الجمال، بل يسعى إلى تغيير الواقع وبناء الوعي وإحياء الضمير الإنساني.
سلام على الفنانة التي جعلت من ألوانها نبضاً للأرض، ومن أعمالها أجنحةً للطيور، ومن إبداعها رسالة خالدة للأجيال.
سلام على رويدا الرافعي… المرأة التي أثبتت أن الفن حين يقترن بالإيمان والإنسانية يتحول إلى قوة قادرة على حماية الطبيعة، وإشعال الأمل، وصناعة الخلود.
وستبقى رسالتها تتردد في سماء لبنان والعالم:
«دعوها تحلّق بسلام… فحين تحلّق الطيور، تحلّق معها الحياة، وحين ينتصر الفن للحياة، يكتب المبدعون أسماءهم بحروف من نور في ذاكرة الأوطان.»
