للأسف الشديد، لم يعد من المجدي المراهنة على الأنظمة العربية والإسلامية، خاصة بعد العدوان المتواصل وما يتعرض له الفلسطينيون في قطاع غزة من حرب مدمرة يصفها كثيرون بأنها إبادة جماعية، حيث تتواصل عمليات القتل والتدمير الشامل للبشر والحجر، واستهداف المستشفيات والجامعات والمدارس ومراكز الإيواء والنازحين في أماكن وجودهم. وهي حرب تتنافى مع القوانين والمواثيق الدولية كافة.
وفي المقابل، لا تتجاوز ردود الفعل العربية والإسلامية حدود بيانات الشجب والتنديد والاستنكار، والدعوة إلى عقد اجتماعات للجامعة العربية على مستوى المندوبين أو وزراء الخارجية، إضافة إلى تكرار عقد المؤتمرات العربية والإسلامية واللجوء إلى الأمم المتحدة ومحاولة استصدار قرارات من مجلس الأمن الدولي، التي غالباً ما تصطدم باستخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) أو امتناع بعض الدول عن التصويت.
وقد وصل الأمر إلى حد قيام مندوب “إسرائيل” بتمزيق ميثاق الأمم المتحدة أمام أنظار العالم، في رسالة واضحة مفادها أن “إسرائيل”، بوصفها دولة احتلال وعضواً في الأمم المتحدة، لا تكترث بقرارات الإدانة أو الشجب والاستنكار، طالما لا توجد قوة ردع وعقوبات حقيقية من النظام الدولي أو من الدول العربية والإسلامية.
إن ما حدث ويحدث للفلسطينيين في قطاع غزة من قتل ودمار واسع النطاق، وما يجري في الضفة الغربية والقدس ومخيماتهما من سياسات تهجير وتضييق، يأتي ـ وفق رؤية الكاتب ـ في إطار مخطط يستهدف تصفية القضية الفلسطينية وتهجير الشعب الفلسطيني، خاصة في ظل سياسة التجويع ومنع إدخال المساعدات الإنسانية وحرمان السكان من الحد الأدنى من مقومات الحياة.
كما أن ردود الفعل في الشارع العربي بقيت متواضعة، ولم ترتقِ إلى مستوى التأثير المطلوب في السياسات الرسمية العربية. وفي المقابل، برزت الاحتجاجات الشعبية في العديد من دول العالم، وخاصة في دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ولا سيما داخل الجامعات الأمريكية، باعتبارها عاملاً مهماً في تسليط الضوء على ما يجري في قطاع غزة وكشف حجم المأساة الإنسانية.
وتضاف إلى ذلك الاتهامات المتعلقة بالانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون والمعتقلات داخل السجون ومراكز الاحتجاز، وما أثير حول الاعتداءات الجنسية التي طالت مشاركين في أساطيل كسر الحصار المتجهة إلى قطاع غزة.
وما يتعرض له الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية لا ينفصل، بحسب هذه الرؤية، عما يجري في لبنان، سواء في الجنوب أو البقاع أو الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث تكررت التهديدات الإسرائيلية بتوسيع نطاق العمليات العسكرية. ورغم ذلك، تتجه الدولة اللبنانية نحو مسارات تفاوضية، في وقت يستمر فيه العدوان الإسرائيلي وتتواصل التصريحات التصعيدية الصادرة عن مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية.التي تتوعد في إبادة جنوب لبنان والضاحية على غرار الإبادة الجماعية بقطاع غزة،
ويؤكد هذا المسار، من وجهة نظري ، أن “إسرائيل” لم تعد بحاجة إلى ذرائع لتبرير سياساتها العسكرية أو التوسعية، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي في المنطقة بما يتوافق مع رؤيتها ومصالحها.
كما أن حصر ما يجري في كونه نتيجة لأحداث السابع من أكتوبر، أو ربط ما يحدث في لبنان بوجود حزب الله فقط، يغفل ـ بحسب هذه القراءة ـ طبيعة المشروع الصهيوني وأهدافه الاستراتيجية الأوسع، كما يغفل المخاوف المتعلقة بالتوسع الجغرافي الإسرائيلي وانعكاساته على مستقبل المنطقة.
وفي هذا السياق، أن الأولوية التي تمنحها الولايات المتحدة لأمن “إسرائيل” تنعكس بوضوح في مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وفي الجهود السياسية والدبلوماسية التي جرت خلال الفترة الماضية لوقف الحرب وإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، دون أن تؤدي حتى الآن إلى وقف كامل للعمليات العسكرية.
أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى اتساع رقعة التوتر لتشمل مناطق أخرى في الإقليم، بما في ذلك أجزاء من الأراضي السورية، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات تمس الأمن القومي العربي بصورة مباشرة.
لذلك، فإن المخاطر الناجمة عن السياسات الإسرائيلية، وفق هذا الطرح، لا تقتصر على فلسطين ولبنان، بل تمتد لتشكل تحدياً استراتيجياً للأمن الوطني والقومي العربي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مواقف عربية أكثر فاعلية وتأثيراً، تتجاوز بيانات الشجب والتنديد، وتسهم في وقف العدوان وحماية استقرار المنطقة قبل فوات الأوان.
المشروع الصهيوني يشكل تحدياً للأمن القومي العربي* عمران الخطيب
0
