في الوقت الذي ينتظر فيه طلاب لبنان وأهاليهم خطة طوارئ تربوية تُراعي الظروف النفسية والأمنية والاقتصادية الكارثية التي يمر بها البلد، تطل علينا وزارة التربية والتعليم العالي بسلسلة من التسريبات الصادمة حول إضافة دروس جديدة وزيادة حجم المناهج المطلوبة لهذا العام. إنه قرار — إن صَحّ — لا يمكن وصفه إلا بأنه منفصل تماماً عن الواقع، ويفتقر إلى أدنى مقومات الإحساس بالمسؤولية تجاه جيل كامل يُدفع نحو الهاوية المعرفية والنفسية.
تأجيل العام الدراسي وتكثيف المناهج: انفصام تربوي!
كيف يستقيم في منطق الوزارة التربوي أن تقرر تأجيل انطلاق العام الدراسي حتى منتصف تشرين الأول، مضحية بأسابيع تعليمية ثمينة، ثم تأتي في المقابل لتفرض زيادة في عدد الدروس والمحاور المطلوبة للامتحانات؟
إن هذا التناقض الفاضح يضع الأساتذة والطلاب بين فكي كماشة: إما حشو الأدمغة السريع وبث “المعلومات” دون فهم حقيقي لحقن المناهج، أو حرمان الطلاب من تغطية المقررات والذهاب إلى الامتحانات الرسمية كأكباش فداء لسياسات عشوائية.
الامتحانات التشخيصية: “الفشل” المسبق برعاية رسمية
لم تكن التسريبات وحدها الدليل على هذه العقلية التعجيزية، بل جاءت الامتحانات التشخيصية الأخيرة لتؤكد المؤكد. لقد تفاجأ طلاب صفوف العاشر باختبارات تعج بأسئلة من دروس ومفاهيم لم تمر عليهم يوماً في مدارسهم نتيجة لسنوات الفاقد التعليمي المتراكم. وبدلاً من أن تكون هذه الاختبارات أداة لتحديد مكامن الضعف ومساعدة الطالب، تحولت إلى وسيلة إحباط تعجيزية ومؤشر خطير على النوايا الفوقية للوزارة في وضع أسئلة الامتحانات الرسمية القادمة.
أين حقوق الأساتذة والطلاب من هذه الفنتازيا؟
تتحدث الوزارة عن “تطوير المناهج” وإقرار مراسيم جديدة لتطبيقها، وتتناسى في مقلب آخر أن المدرسة الرسمية متهالكة، وأن الأساتذة يمرون بظروف معيشية تجعل من الصعب عليهم إتمام الساعات الدراسية العادية، فكيف بالجهد الإضافي المطلوب لتغطية مناهج “مضخمة”؟
إن الإصرار على استعراض رصانة الشهادة اللبنانية على حساب صحة الطلاب النفسية وجيوب أهاليهم المنهكة هو ضرب من الفوقية الأكاديمية التي لا تحتملها البلاد في ظرفها الراهن.
كلمة أخيرة: كفى تجارباً في حقول أبنائنا
إن التعليم في لبنان لا يُنقذ بزيادة عدد الصفحات والدروس في بلد يفتقر لأبسط المقومات المعيشية والتقنية. على وزارة التربية والمركز التربوي للبحوث والإنماء التراجع فوراً عن هذه التوجهات التعجيزية، وإصدار تعاميم واضحة تحذف الحشو غير الضروري وتراعي الأيام الفعلية للدراسة. كفى تعاملاً مع الطلاب كحقول تجارب لقرارات تُطبخ في غرف مغلقة ومكيفة، بعيداً عن واقع الصفوف المدرسية الباردة والمظلمة.






