تسابق شركة “بي واي دي” (BYD) الزمن لتحقيق هدف طموح يتمثل في انتزاع لقب أكبر شركة سيارات في العالم من تويوتا بحلول 2030، لكن الطريق الذي بدا سهلاً خلال مرحلة الصعود الأولى قد يصبح أكثر تعقيداً مع تباطؤ نمو السوق العالمية وتصاعد الحواجز التجارية أمام السيارات الصينية.
أعلن مؤسس الشركة وانغ تشوانفو أمام المساهمين في يونيو الماضي أن “بي واي دي” تستهدف تجاوز مبيعات “تويوتا”، التي باعت نحو 11 مليون مركبة العام الماضي، لتصبح أكبر شركة سيارات على مستوى العالم خلال النصف الثاني من العقد الحالي.
نسخة صينية من قصة نجاح تويوتا
سارت “بي واي دي” خلال السنوات الماضية على خطى مشابهة بشكل لافت لما فعلته “تويوتا” في عقودها الأولى، وفقاً لتقرير موسع لوكالة “رويترز”.
فكما نجحت الشركة اليابانية في السبعينيات والثمانينيات عبر تقديم سيارات اقتصادية موفرة للوقود في أعقاب أزمة النفط العالمية، بنت “بي واي دي” توسعها على السيارات الكهربائية والهجينة منخفضة التكلفة في وقت أصبحت فيه الحكومات والمستهلكون يبحثون عن بدائل للوقود الأحفوري.
ولم يكن التشابه مقتصراً على الاستراتيجية فقط، إذ أثارت بعض طرازات الشركة الصينية الأولى جدلاً واسعاً بسبب تشابهها الكبير مع سيارات “تويوتا”، حتى إن طراز F3 الذي أطلقته عام 2008 وُصف حينها بأنه نسخة مقلدة من “كورولا”.
توسع عالمي يكرر التجربة اليابانية
فرضت “بي واي دي” نفسها لاعباً مهيمناً داخل الصين، مستحوذة على نحو 12% من السوق المحلية بحلول أغسطس، بالتوازي مع نمو سريع في الصادرات التي باتت تمثل قرابة نصف مبيعاتها.
ووصلت تسليمات الشركة إلى 4.6 مليون سيارة في 2025، وهو مستوى يقترب من حجم مبيعات “تويوتا” في أواخر تسعينيات القرن الماضي عندما بدأت الشركة اليابانية تحولها إلى عملاق عالمي.
لكن المقارنة تتوقف عند هذه النقطة.
السوق العالمية لم تعد تتسع للجميع
استفادت “تويوتا” خلال الثمانينيات والتسعينيات من سوق عالمية كانت تنمو بسرعة، إذ ارتفع حجم الطلب العالمي آنذاك بنحو 20 مليون سيارة ليقترب من 60 مليون مركبة سنوياً مع مطلع الألفية.
أما اليوم، فتواجه الصناعة واقعاً مختلفاً مع تباطؤ نمو الطلب العالمي واقتراب بعض الأسواق الكبرى من مرحلة التشبع.
وبحسب محللين، فإن بيع شركة ما 10 ملايين سيارة إضافية في البيئة الحالية يعني غالباً انتزاع هذه الحصة من منافسين آخرين، وليس الاعتماد على نمو السوق وحده.
أميركا والهند واليابان.. أسواق شبه مغلقة
تمثل أكبر العقبات أمام “بي واي دي” محدودية وصولها إلى بعض أهم أسواق السيارات في العالم.
فبينما تبيع “تويوتا” سياراتها في نحو 170 دولة، لا تزال الشركة الصينية تفتقر إلى حضور فعلي في الولايات المتحدة واليابان والهند، وهي أسواق استوعبت مجتمعة نحو 22 مليون سيارة ركاب العام الماضي، أي ما يقارب ربع الطلب العالمي.
وتُعد الولايات المتحدة تحديداً أهم سوق لـ”تويوتا”، في حين لا تبدو فرص دخول “بي واي دي” إليها سهلة في ظل التوترات التجارية والسياسية المتصاعدة بين واشنطن وبكين.
الرسوم الجمركية تضيق الخناق
واجهت الشركة الصينية موجة متزايدة من الإجراءات الحمائية حول العالم.
ففرض الاتحاد الأوروبي رسوماً إضافية على سيارات “بي واي دي” الكهربائية، بينما رفعت البرازيل الرسوم الجمركية على الواردات الصينية، كما تطبق دول مثل المكسيك وروسيا وتايلاند قيوداً مماثلة، في وقت تتزايد فيه الضغوط داخل بريطانيا لاتخاذ إجراءات مشابهة.
وحتى داخل الصين، بدأت السلطات تبدي حذراً تجاه التوسع السريع في صادرات السيارات، مع مخاوف من تأجيج النزاعات التجارية مع الشركاء الرئيسيين.
الرهان على التصنيع خارج الصين
تحاول “بي واي دي” الالتفاف على الحواجز التجارية عبر إنشاء مصانع خارج الصين، على غرار ما فعلته “تويوتا” قبل عقود.
وأعلنت الشركة بالفعل مشاريع تصنيع في المجر وتايلاند والبرازيل وأوزبكستان وإندونيسيا، بطاقة إنتاجية تقترب من مليون سيارة سنوياً.
لكن الوصول إلى هدف تجاوز “تويوتا” قد يتطلب رفع الطاقة الإنتاجية خارج الصين إلى نحو خمسة ملايين سيارة سنوياً، وهو توسع ضخم يحتاج استثمارات هائلة ووقتاً أطول من المتبقي حتى 2030.
السيارات الفاخرة والشاحنات.. محركات نمو جديدة
تحاول الشركة أيضاً تكرار خطوة أخرى من كتاب “تويوتا”، عبر التوسع في الفئات الأعلى سعراً.
فبعد نجاح علامات مثل “دينزا” و”فانغتشنغباو”، التي أصبحت تمثل أكثر من 10% من المبيعات، تراهن “بي واي دي” على التكنولوجيا المتقدمة والبطاريات فائقة الشحن لجذب عملاء جدد من العلامات التقليدية.
كما ترى الشركة فرصة كبيرة في سوق المركبات التجارية والشاحنات الكهربائية، وهي سوق لا تزال في مراحلها الأولى لكنها تشهد نمواً متسارعاً داخل الصين وخارجها.
وارتفعت مبيعات المركبات التجارية للشركة بنحو 28% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، في وقت تراجعت فيه مبيعات سيارات الركاب بنسبة 4%.
هل تستطيع إسقاط تويوتا؟
نجحت “بي واي دي” حتى الآن في تقليد كثير من عناصر قصة النجاح التي صنعت “تويوتا” أكبر شركة سيارات في العالم، من الاعتماد على التكنولوجيا الجديدة إلى التوسع الدولي وتوسيع تشكيلة المنتجات.
لكن الظروف التي سمحت لـ”تويوتا” بالنمو خلال العقود الماضية لم تعد موجودة بالشكل ذاته اليوم.
لذلك، تبدو مهمة تجاوز “تويوتا” بحلول 2030 هدفاً بالغ الصعوبة، حتى لو استمرت “بي واي دي” في اقتناص حصص سوقية حول العالم. ومع ذلك، فإن صعود الشركة الصينية يعني أن عملاق اليابان لم يعد قادراً على الركون إلى موقعه القيادي، بل بات يواجه للمرة الأولى منافساً يمتلك الحجم والطموح والموارد اللازمة لتهديد عرشه العالمي.