ناريمان علّوش
حين تستيقظ صباحًا، ويأتيك صوت فيروز من نافذةٍ لا تعرف مَن فتحها، وهي تغنّي: «بحبك يا لبنان»…تشعر أنّ الصباح نفسه قد صار لبنانيًّا، وأنّ الشمس توقّفت قليلًا فوق بيروت لتصغي.
ترفع رأسك بفخر… فهذا الصوت لبنانيّ، وهذه الحنجرة التي استطاعت أن تجعل وطنًا كاملًا يتّسع داخل أغنية… لبنانيّة.
وحين تمرّ نسمةٌ فوق الجبل، فتسمع في حفيف الشجر شيئًا من نبرة وديع الصافي، تظنّ للحظة أنّ الطيور قد ورثت صوته،
وأنّ الله حين وزّع الأصوات على الكائنات خبّأ للبنان طبقةً إضافية من الطرب.
فتبتسم… حتى التغريد هنا له لكنةٌ لبنانيّة.
وحين ترفع عينيك إلى أرزةٍ تشقّ الغيم، تراها أقلّ شبهًا بشجرة،
وأكثر شبهًا برايةٍ زرعتها السماء في الأرض. جذورها تحت التراب، لكنّ كبرياءها فوق الغيم. فتفهم لماذا اختارها لبنان رمزًا له:
لأنها، مثله، تعرف كيف تقف طويلًا في وجه العواصف
من دون أن تتعلّم الانحناء.
وحين تعبر طائرة «الشرق الأوسط» سماءك، لا تراها مجرّد طائرة… تراها قطعةً من لبنان تعلّمت الطيران. كأنّ الأرزة ذات يوم تعبت من الوقوف على الجبل، فأنبتت جناحين، وحملت بيروت على كتفيها، وطارت بها إلى العالم.
وحين تفوح رائحة البنّ، ويصعد عطر قهوة نجّار من الفنجان،
تكتشف أنّ للأوطان روائح أيضًا. وأنّ لبنان يمكن أحيانًا أن يُختصر في رشفة:
بنٌّ داكن، وصباحٌ طويل، وحديثٌ لا ينتهي، وفنجان صغير يعرف من أسرار البيوت أكثر مما تعرفه الجدران.
فتبتسم… لهذا العطر أيضًا جواز سفر لبناني.
وحين تنظر إلى كروم البقاع، تفهم أنّ الشمس لا تغيب هناك…
إنها فقط تختبئ داخل حبّة عنب. ينتظرها اللبناني طويلًا، ثم يضعها في زجاجة، ويرسل إلى العالم شيئًا من شمس واديه.
وحين تمرّ قرب فرنٍ في الصباح، ويصعد إليك الزعتر الساخن،
تدرك أنّ بعض الشعوب تصنع فطورًا…أمّا نحن فنخبز الذاكرة.
مناقيشنا ليست عجينًا وزيتًا وزعترًا وحسب..إنها صباحات أمهاتنا، وطاولات البيوت، وحقائب المدرسة، والقرى التي تستيقظ قبل الشمس.
حتى زيتوننا …يعصر حكايات أرضٍ مرّت عليها آلاف السنوات
وما زالت تُنبت.
وفي طرابلس، حين يولد الصابون من الزيت والعطر واليد،
يبدو الأمر كأنّ شجرة الزيتون قررت أن تغيّر هيئتها
كي تدخل بيوت الناس.
وفي صيدا، ينام الحلو داخل السكر، ويحمل ماء الزهر رائحة البساتين القديمة، كأنّ المدينة اكتشفت طريقةً لحفظ الربيع في قطعة حلوى.
وفي زحلة والبقاع، تُعبّأ الشمس في الزجاج. وفي بيروت وبرج حمّود، ينحني الصائغ فوق الذهب، فلا يعود المعدن معدنًا…
يصير امرأةً، وعيدًا، ووعدًا، وذاكرةً تُعلّق حول العنق.
وفي مصانعنا وورشاتنا، وفي أيدي الخيّاطين والمصممين والحرفيين، ثمة شيء لبناني غريب:
نحن لا نكتفي بصناعة الأشياء… نترك فيها شيئًا من مزاجنا.
قليلًا من الجرأة، قليلًا من الجنون، وكثيرًا من الجمال.
ثم يأتي الكتاب…
جبران يحمل لبنان إلى العالم بالكلمات، والرحابنة يبنون وطنًا آخر فوق خشبة المسرح، والشعراء يزرعون البلاد بين سطرين،
والرسامون يعيدون ترتيب الضوء، والناشرون يرسلون الحروف في حقائبها إلى مدنٍ لم ترَ بيروت قط.
فتدرك أنّ أهمّ ما صنعه لبنان لم يكن دائمًا شيئًا يمكن حمله باليد.
لقد صنع صوتًا…وصنع كلمة…وصنع فكرة…وصنع جمالًا.
هذا البلد الصغير جدًا على الخريطة لديه عادةٌ غريبة:
كلّما ضاقت مساحته…اتّسع أثره.
من أرزةٍ إلى طائرة، ومن حبّة بنّ إلى فنجان، ومن حبّة عنب إلى نبيذ، ومن زيتونة إلى زيت، ومن خيط إلى ثوب، ومن حجر إلى بيت، ومن حرف إلى كتاب، ومن حنجرة إلى وطن كامل يسكن أغنية.
لهذا، كلّما صادفت في العالم شيئًا جميلًا وقيل لي:
«هذا صُنع في لبنان»…
لا أقرأ العبارة كبلد منشأ… أقرأها كتوقيع.
كأنّ لبنان مرّ من هنا،
وترك على الشيء قليلًا من أرزه،
قليلًا من بحره،
قليلًا من صوت فيروز،
ثم مضى.
وعندها…
أرفع رأسي قليلًا،
وأبتسم لذلك الوطن الذي كلّما أتعبنا، أدهشنا كيف يجعلنا نفتخر به من جديد.
وأقول:
هذا لبناني… وأنا أيضًا، لبنانيّة.
#صباحكم_لبنان

