إذا أردنا أن نعرف شكل مجتمعنا بعد سنوات “2030” مثلاً علينا أن ننظر إلى ما نقدِّمه لأطفال اليوم، وما يجب تقديمه مستقبلاً للطفل العربي، وأن نبحث بجدية وموضوعية عن دور الكتاب والأدب والثقافة في بناء شخصية الطفل، خاصة في ظلّ التحوّلات المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تفرضه التكنولوجيا ووسائل التواصل الحديثة من تحديات وفرص أمام الأجيال الجديدة.
السؤال المطروح بإلحاح مَن يكتُب لطفل 2030 ويتجاوز حدود الكتاب والكاتب؟ ليصبح سؤالاً يتعلّق بالأسرة والمدرسة والمجتمع والمؤسسات الثقافية والإعلام، باعتبار الجميع شركاء في تشكيل وعي الطفل وصناعة مستقبله، لا سيما أنّ الطفل ليس قارئ المستقبل فحسب، بل هو صانع المستقبل، ومن الضروري أن تكون الكتابة الموجهة للأطفال قادرة على مخاطبة عقولهم، واحترام أسئلتهم، وتنمية خيالهم، وتعزيز قيم المعرفة والانتماء والتسامح والإبداع، لأنّ الكتاب الموجّه للطفل يجب ألّا يكون مجرد وسيلة للتسلية، وإنما مساحة لاكتشاف الذات وبناء الشخصية، وأنّ الكلمة التي يجب أن تصل إلى الطفل في سنواته الأولى يمكن أن تترك أثراً عميقاً في مستقبله.
وهذا يحتّم علينا جميعاً توجيه رسائل قوية إذا أردنا أن نعرف شكل مجتمعنا في عام 2030 وما بعده، لا بدّ لنا قبل كلّ شيء من أن ننظر إلى ما نقدّمه لأطفالنا اليوم؛ فالطفل الذي نكتب له الآن هو الإنسان الذي سيكتب تاريخنا غداً، وبطبيعة الحال فنحن في الأساس لا نكتب للطفل كي يقرأ فقط، وإنما نكتب له كي يفكّر ويحلم ويسأل ويبدع، والكتاب الجيّد لا يقدّم للطفل إجابة جاهزة دائماً، بل يمنحه القدرة على البحث عن الإجابة.
إنّ التحوّلات الرقمية فرضت واقعاً جديداً على أدب الطفل، الأمر الذي يتطلّب من الكتّاب والمبدعين تطوير أدواتهم وأساليبهم، مع الحفاظ على القِيَم الإنسانية والثقافية التي تشكّل أساس شخصية الطفل، ومن يكتب للأطفال لا بدَّ أن يمتلك حسّاً إنسانياً وتربوياً عميقاً، وأن يكون قريباً من عالم الطفل، قادراً على الإصغاء إلى أسئلته وفهم مخاوفه وأحلامه، بعيداً عن الوعظ المباشر والتلقين، فكاتب الطفل الحقيقي هو مَن يحترم عقل الطفل، ويعرف أنّ الصغير ليس صفحة بيضاء نكتب عليها ما نشاء، بل إنسان يمتلك خيالاً واسعاً وأسئلة كبيرة وحقاً في أن نقدّم له نصاً جميلاً وصادقاً يفتح أمامه أبواب المعرفة والإبداع. ومن يكتب للطفل عليه أن يجمع بين الموهبة والمسؤولية، وبين جمال اللغة ووضوح الفكرة، وأن يزرع القِيَم في الحكاية دون أن يحوّلها إلى درسٍ مباشر، لأنّ الطفل يتعلّم من القصّة التي يحبّها أكثر مما يتعلّم من النص الذي يُفرَض عليه.
لدينا رسالة أساسية تتلخّص بأنّ صناعة طفل 2030 لا تبدأ في العام ذاته، وإنما تبدأ من اليوم؛ من الأسرة، ومن المدرسة، ومن الكتاب، ومن الكلمة التي تصل إلى عقل الطفل وقلبه.
ويبقى الكتاب أحد أهمّ الجسور التي يمكن من خلالها الوصول إلى عقل الطفل وبناء شخصيته، لأنّ من يكتب للطفل اليوم، يشارك في كتابة ملامح المستقبل غداً.

