من الواضح أن الساحة اليمنية أمام تحول مهم، فالهجوم المضاد الذي أطلقته الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا لاستعادة المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون يبدو حاسمًا. القوات الحكومية الشرعية، وبدعم جوي سعودي، استعادت مواقع استراتيجية في منطقة ذباب المطلة على باب المندب، وبدأت التقدم باتجاه المخا، التي قالت وزارة الدفاع اليمنية أنها سقطت في يد قواتها خلال الساعات الأخيرة.
هذه التطورات لا يمكن قراءتها باعتبارها معركة يمنية داخلية فقط، فباب المندب يُعد جزءًا مباشرًا من معادلة الأمن الإقليمي والدولي، فالسيطرة الحوثية على مناطق قريبة من المضيق تمنح الجماعة- بالتالي إيران- قدرة على تهديد أحد أهم الممرات البحرية التي تؤثر سلبًا على التجارة الأردنية وقناة السويس، وأي اضطراب طويل في هذا الممر يعني ارتفاع كلفة النقل والتأمين، وإعادة توجيه السفن، وزيادة أسعار الطاقة والسلع، بما يضر بالاقتصاد العالمي والعربي والأردني على وجه الخصوص.
ومن هنا يصبح الدعم السعودي للقوات الحكومية اليمنية مفهومًا باعتباره دفاعًا عن أمن المملكة وأمن البحر الأحمر والمنطقة في الوقت نفسه، فالواضح أن الرياض لن تتراجع عن خيار إنهاء سيطرة الحوثيين على الساحل والممر البحري.
الأردن، بدوره، أعلن بوضوح وقوفه إلى جانب السعودية، وأكد وزير الخارجية أيمن الصفدي دعم المملكة للشرعية اليمنية وجهودها في استعادة الأمن والسيادة، كما شددت عمّان على تضامنها مع السعودية في مواجهة الهجمات الحوثية.
المعادلة الجديدة تقول إن التعامل مع أذرع إيران في المنطقة أصبحت مسؤولية عربية في سياق تحجيم إيران، في حين تتولى واشنطن والمجتمع الدولي مواجهة إيران نفسها مباشرة في إطار الصراع المتصاعد معها.
وفي هذه المرحلة، لا ينبغي للأردن أن ينظر إلى تراجع أذرع إيران في الإقليم إلا كفرصة مهمة؛ فاستقرار الجوار العربي ينعكس مباشرة على أمن المملكة واقتصادها، لذلك، فالموقف الأردني المعلن للبنان والعراق والعملية السعودية ضد الحوثيين ضرورة لا مهرب منها.
لكن الاستقرار، إذا تحقق، لا يكفي وحده، فالفرص التي تنتج عن انحسار التهديدات الإقليمية يجب أن تتحول إلى مناعة أردنية داخلية: اقتصاد أكثر اعتمادًا على الذات، وتنويع للأسواق، وتعزيز للاستثمار والإنتاج ضمن بيئة مستقرة.
الأردن أمام فرصة مهمة جدًا، والمطلوب هو بناء قوة اقتصادية وسياسية أكبر، بالتالي قدرة أكثر على حماية مصالحه وتحقيق مناعة مستقبلية مقابل أي اضطرابات قادمة.