كتبت فاديا النوايسة
ليس أشد مرارة من أن يهب الإنسان نفسه لخدمة الناس، ثم يكون جزاء عطائه الإساءة والاعتداء. وما تعرضت له الدكتورة رفيدة العساسفة الحباشنة أثناء تأدية واجبها في مستشفى الكرك الحكومي ليس حادثة عابرة يمكن تجاوزها، بل جرح في ضمير المجتمع، وإساءة لكل قيمة نبيلة تربى عليها الأردنيون.
حين احتاجت الكرك إلى طبيبة أمراض صدرية، لم تتردد الدكتورة رفيدة في تلبية النداء، وهي في ذلك، لم تبحث عن راحة أو مكسب، ولم تنتظر امتيازاً أو شكراً، بل جاءت مدفوعة بإيمانها بأن خدمة الناس واجب وشرف، فقد جاءت في وقت أحجم فيه آخرون عن تحمل هذه المسؤولية، فاختارت أن تكون حيث الحاجة أكبر، وأن تضع علمها وخبرتها في خدمة أبناء محافظتها ووطنها.
لكن الصدمة كانت أن تُقابل هذه الروح النبيلة باعتداء لفظي وجسدي مشين، في مشهد لا يمثل الكرك ولا أهلها ولا الأردن الذي نعرفه. فالكرك التي حفظها التاريخ عنواناً للنخوة والكرامة والشهامة، أكبر من أن تختزل في تصرف فردي أرعن، وأعظم من أن يُساء باسمها إلى امرأة جاءت تحمل رسالة إنسانية سامية.
إن الاعتداء على الدكتورة رفيدة ليس اعتداءً على شخصها فقط، بل اعتداء على كل طبيب وممرض ومعلم وصاحب رسالة، واعتداء على هيبة الدولة ومؤسساتها، وعلى حق المواطن في أن يجد من يخدمه ويعتني به. فحين يشعر أصحاب الكفاءات أن العطاء يقابل بالإهانة، فإن الخاسر الحقيقي هو المجتمع بأسره.
وفي المقابل، فإن الموقف المشرف لعشيرتي الحباشنة والضمور يجسد أسمى معاني الحكمة والمسؤولية الوطنية. فقد ارتفعتا فوق الانفعال، وتمسكتا بالقانون، وطالبتا بالعدالة من خلال مؤسسات الدولة، مؤكدتين أن الكرامة تُصان بالقانون، وأن الحقوق تُسترد بالعدالة، لا بردود الأفعال.
كل التحية للدكتورة رفيدة العساسفة الحباشنة؛ الطبيبة التي أثبتت أن الرسالة الإنسانية ما زالت حية في نفوس المخلصين، والتي قدمت نموذجاً نادراً في الإيثار والوفاء والانتماء. وكل التقدير لعشيرتي الحباشنة والضمور على موقفهما المسؤول والوطني.
أما من اعتدى، فقد أساء إلى نفسه قبل أن يسيء إلى غيره، وأسقط عن فعله أي مبرر أو عذر، وأثبت أن الأخلاق لا تُقاس بالصوت المرتفع ولا بالقوة الزائفة، بل بالاحترام وحفظ الجميل.
ويبقى السؤال الذي يؤلم كل صاحب ضمير: كيف يمكن لطبيبة جاءت لتخفف آلام الناس أن تغادر وهي تحمل ألماً صنعه بعض البشر؟
وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
