عروبة الإخباري –
الغد عزيزة علي –
صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، كتاب “بلاغة النص: نماذج من أبي تمام، من الصورة إلى البلاغة، بلاغة العصر، البلاغة التكوينية (إضاءات)”، للبروفيسور الأردني عبد القادر الرباعي، وهو عمل نقدي يسعى إلى تقديم قراءة معاصرة للبلاغة العربية من خلال استنطاق النص الشعري وإعادة تأطيره ضمن رؤى حديثة في النقد والتحليل.
ينطلق الكتاب من تصور نظري يقوم على ما يسميه المؤلف “بلاغة التكوين”، بوصفها بلاغة العصر المرتبطة بمنهج النقد الثقافي، والتي تتجاوز المفهوم التقليدي للبلاغة باعتبارها أداة للإقناع، إلى كونها ممارسة معرفية تسهم في بناء الهوية الجماعية، وصياغة الوعي الثقافي، وتفعيل اللغة بوصفها حاملة للقيم والدلالات. وفي هذا الإطار، يركز المؤلف على العلاقة بين اللغة والإنسان والمجتمع، مؤكدا أن البلاغة ليست مجرد تقنية، بل فعل ثقافي وإنساني شامل.
ويتخذ الرباعي من شعر أبو تمام نموذجا تطبيقيا، بوصفه أحد أبرز شعراء التجديد في العصر العباسي، حيث يُحلَّل نصه الشعري بوصفه كيانا متكاملا تتداخل فيه الصورة والإيقاع والمعنى. ويعتمد المؤلف في قراءته على ثلاثة محاور رئيسة: التحليل البلاغي، والتحليل الإيقاعي، ثم المقاربة الثقافية ضمن ما يسميه “المجمع البلاغي”، بما يتيح الكشف عن الأبعاد الجمالية والدلالية للنص في سياقه الثقافي الأوسع.
ويشير المؤلف، في مقدمته، إلى أن محتوى الكتاب يقوم على مثلث دلالي متعدد الأبعاد، يتمثل في: بلاغة العصر وبلاغة التكوين، ونص القصيدة، وأبو تمام بوصفه شاعر النماذج الشعرية المختارة. موضحا أن البلاغة التكوينية تنشأ من عناصر لغوية وثقافية متجددة.
ويستند إلى تعريفات حديثة ترى فيها نظرية في الخطاب تعنى بقدرة اللغة والرموز على بناء هوية جماعية لدى الجمهور، من خلال تكثيف الرموز وتوظيف السرد والأدب. ولا تقتصر وظيفتها على الإقناع، بل تتجاوز ذلك إلى خلق واقع مشترك يعزز الانتماء ويدفع إلى الفعل.
ويرى المؤلف أن البلاغة التكوينية هي نظرية وضعها “جيمس بويد وايت”، تعنى بقدرة اللغة والرموز على بناء هوية جماعية، وتشكيل الثقافة والمجتمع عبر السرد والأدب. ولا يقتصر هدفها على الإقناع المباشر، بل يتجاوزه إلى بناء الشخصية الجمعية وتعزيز حضورها الثقافي، وهو ما عبر عنه وايت بوصفها فن بناء الإنسان والمجتمع داخل اللغة.
ويقول الرباعي “من أبرز ملامح هذه البلاغة أنها تعنى بخلق الهوية، لا بمجرد التأثير في المتلقي؛ إذ تعمل على تشكيل تصورات الجمهور ووعيه بذاته الجماعية، من خلال توظيف الرموز المكثفة والسرد. كما تمتد، في بعدها العملي، إلى الدعوة لاتخاذ ممارسات تسهم في ترسيخ هذه الهوية”.
ويعتبر المؤلف أن بلاغة التكوين تعد بلاغة العصر، ويتجلى منهجها في النقد الثقافي، بينما تتحدد هويتها بوصفها إطارا لتشكيل البلاغة المعاصرة. وهي، في جوهرها، بلاغة تنتمي إلى حقل العلوم الإنسانية؛ إذ تتمثل وظيفتها في توليد الهوية، وإبراز الصورة الفنية، وصنع المعنى عبر خطاب الثقافة.
كما تعنى بتفعيل اللغة بوصفها حاملة للقيم، وبناء مجتمعات متعددة ومتفاعلة، فضلا عن رصد التجارب الإنسانية المؤثرة وإحيائها. وهي رؤية متعددة الأبعاد، تتمحور حول الإنسان، ويشكل الفن روحها، واللغة أداتها، والثقافة مادتها، والقيمة غايتها؛ وباختصار: هي بلاغة الإنسان واللغة.
أما النص، وفق الرباعي، فهو يعد عنصرا تكامليا يتجلى من خلال مقاربته بالقصيدة الشعرية، حيث تتآلف الصورة الفنية مع الإيقاع. والقصيدة، بوصفها نصا، عالم واسع لا يُحدّ، ولا تُدرك هويته إلا عبر القراءة والتحليل، ويعد القارئ الضمني أحد مرتكزاته الأساسية. ولم يعد ممكنا فهم النص الشعري في حدود البيت المفرد، بل ينبغي النظر إليه في كليّته، ضمن إطار البلاغة التكوينية الشامل.
ولأن البلاغة التكوينية -كما تتحدد غاياتها- تنزع إلى الكل لا إلى الجزء، فإن تناول القصيدة بوصفها نصا متكاملا يحقق مقصد هذا المنهج، بوصفه الإطار الناظم لهذا البحث. ومن هذا المنطلق، نتجه إلى تحليل القصيدة انطلاقا من كون عصرنا هو عصر التحليل، مستندين إلى دراسات رصينة في هذا المجال.
وقد اعتمد الرباعي في هذا التحليل على ثلاث محطات مترابطة: الأولى تحليل بلاغي للنص، والثانية تحليل إيقاعي، والثالثة قراءة ضمن “المجمع البلاغي”، في أبعاده المرتبطة بالهوية والمجتمع والثقافة.
ويقول المؤلف إن أبو تمام يعد من أبرز شعراء البديع في العصر العباسي؛ إذ مثّل البديع اتجاها تجديديا في مقابل عمود الشعر التقليدي. وقد تميز بعنايته بالاستعارة، على خلاف الشعر القديم الذي غلب عليه التشبيه. ومن أشهر ما يروى عنه قوله: “نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى/ ما الحبّ إلا للحبيب الأولِ/ كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى/ وحنينه أبدا لأول منزلِ”.
كما تنسب إليه مواقف تدل على سرعة بديهته وحدّة ذكائه؛ إذ قيل إن أحدهم عاتبه قائلا: لِمَ تقول من الشعر ما لا يُفهم؟ فأجابه: ولِمَ لا تفهم ما يُقال؟ في إشارة مبكرة إلى ما يُعرف حديثا بنظرية التلقي والتأويل.
وينتمي أبو تمام إلى قبيلة “طيء العربية”، وقد عُرف بكرمه؛ إذ يروى أنه صادف سائلا شكا الفاقة، فمنحه ثوبه الثمين، مكتفيا بهذا العطاء السخي. ويروى أن أبا تمام، حين عاتبه سائل بعد أن منحه عطاء سخيا، قال: “لستُ إذن من طيّئ!”. في إشارة إلى اعتزازه بكرم قبيلته.
وكان أبو تمام طويل القامة، فصيح اللسان، عذب الكلام. أصله من بلاد الشام؛ إذ أقام في حمص زمنا بين جماعة من طيّئ، ثم انتقل إلى مصر، قبل أن يعود إلى دمشق. وبعدها قصد الخليفة المأمون، ثم ارتحل إلى العراق حيث اتصل بالخليفة المعتصم بالله، فمدحه بقصيدته الشهيرة: “السيف أصدق أنباء من الكتبِ/ في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعبِ”.
وقد حظي أبو تمام بتقدير كبار الأدباء؛ إذ قال الجاحظ إنه من جهابذة الكلام ونقاد المعاني، وأن شعره يتسم بالفخامة والجزالة والابتكار. كما أثنى عليه تلميذه البحتري، معتبرا إياه مثالا في العقل والأدب، حتى إن شعره -على علو شأنه- ليس إلا جزءا من تميّزه. وقيل أيضا إن حضوره الشعري كان طاغيا في عصره، حتى ضاق المجال بغيره من الشعراء، فلما توفي توزعت مكانته بينهم.
في خاتمة الكتاب، يؤكد المؤلف أن المقصود بالنص هو القصيدة، وأن الشاعر محلّ الدراسة هو أبو تمام، بينما يقوم العمل على ثلاثة محاور رئيسة: “أولها: التحليل البلاغي، انطلاقا من رؤية مورتن وايت التي تعد عصرنا عصر التحليل؛ حيث يعنى هذا المحور بالتعمق في الكلمة، وبنية الصورة ومصادرها وتشكلاتها، واستكشاف المعنى وصولا إلى (معنى المعنى)”.
ثانيها: تحليل الإيقاع الموسيقي، عبر تتبع طبقاته الثلاث: الدنيا، والوسطى، والعليا. ويتم ذلك بالكشف عن البحر الشعري وتفعيلاته، ورصد ما يطرأ عليها من زحافات وعلل داخل النص، وصولا إلى تصنيف البنية الإيقاعية وتمييز أنماطها.
ويعتمد المؤلف في هذا التصنيف نموذجين: الإيقاع البسيط، ويرمز له بالحرف (Z) ويشبّهه برصف الشوارع، والإيقاع المركب، ويرمز له بالحرف (W) ويشبّهه بشكل الآلة الكاتبة. ومن خلال تطبيق هذه الأنماط على تفعيلات القصيدة، ومتابعتها بيتا بيتا وشطرا شطرا، تتكشف البنية الإيقاعية في مستوياتها المختلفة، بما يتيح الحكم على طبيعتها، بسيطة كانت أم مركبة، وتمثيلها في صورة بصرية توضح طبقاتها وتنظيمها.
أما المحور الثالث، فهو “المجمع البلاغي”، الذي يعنى بتكريس الهوية الإبداعية، متقاطعا مع “المجمع الثقافي”، في مستوييه الظاهر والمضمر، ضمن إطار النقد الثقافي. وفي هذا السياق، تتجلى القيمة الإنسانية في بناء مجتمع ثقافي تعددي متوازن، يقوم على التآلف والتكامل.
ومن خلال إنجاز هذه المحاور الثلاثة، يتكامل العمل في إثراء بلاغة النص بمضامينه وأنساقه ودلالاته، بما يخدم مفهوم بلاغة التكوين بوصفها بلاغة العصر، ومنهجها النقد الثقافي. وهي بلاغة تتأسس على هوية إنسانية، وثقافة متنوعة، ومرجعيات لغوية، ورموز دلالية محورية.
