مهما حاولت رياح «الخماسيني» النيل منه، بغبارها وبردها، يبقى أيار أول الصيف، حيث يبدأ المشوار مع الإنضاج عبر الحرارة التي تثمر من الفاكهة أكثرها حلاوة، من البطيخ إلى التين، مرورا بالعنب بما يحمله من عناقيد وعصائر تسر الناظرين والآكلين والشاربين.
يحتمل الناس حرارة الصيف لأن «الصيفْ كِيفْ»، وكونه كان وما زال وسيبقى «بساط الفقير»، رغم هوس البعض وهلع البعض الآخر مما يعرف بالاحتباس الحراري أو التغير المناخي المفضي إلى ما يعرف بالطقس المتطرف في درجاته، حرارة وبرودة، أو تقلبه في أقل من أربع وعشرين ساعة إلى ما يذكّرنا برائعة الموسيقار الإيطالي أنطونيو فيفالدي «الفصول الأربعة»!َ
لكن «القدر» ما انفك يعزف سنفونيته التي ألهمت بيتهوفن وغيره، دونما أن يدروا. تطرّف الطقس وتقلبه والمناخ، لا يعني تحديات بقدر ما هي فرص، أهمها قدرة الإنسان على التكيف، وبالتالي البقاء والنماء. وثانيها ربما من حيث الأهمية الجانبية، هي تلك الظروف التي رغم شكوانا منها تعمل إن أحسنّا الاختيار والتوظيف، على إنضاج خبراتنا وتراكمها، وبالتالي نجاح مشاريعنا واكتمالها.
لا تلعب الحرارة والضغوط بأنواعها، دور الإنضاج فحسب، بل وربما الأهم من ذلك، هو فعل النار والضغط والطرق المتكرر، في تخليص الذهب الخالص من الشوائب، ومن ثم تطويعه وسباكته كيفما أراد الصائغ الماهر الأمين، جمالا وإبداعا وتميزا.
في الخدمة المدنية وكذلك العسكرية، في برامج الإعداد والتدريب على اللياقة البدنية، وكذلك في برامج الاستقطاب أو التجنيد والتأهيل والتطوير الوظيفي، بصرف النظر إن كان في القطاع الخاص أو العام، ثمة حاجة إلى إدخال فكرة الضغوط الحميدة أو الذكية، وكيفية التعامل معها باقتدار للكشف عن معادن «الموارد البشرية» كونها رأس المال الأغلى والأبقى في أي مشروع كان.
يهمس أو يوعز القائد – المدير، أو بالأحرى الرئيس القيادي لفريق العمل، أو يأمر من يتوسم فيه الخير، بأن «يضغط» خلال إدارته لفريق أو مهمة عمل، حتى يتم فرز الصالح عن الطالح، أو تمييز الأصلح عن الصالح، عبر ما تعرف فيزيائيا بنظرية أو قوة الطرد المركزي، التي أسسها الفيزيائي العبقري إسحق نيوتن عبر اكتشاف قوانين الجاذبية والحركة ومن بينها الدوران..
المشكلة وربما صارت معضلة، إسراف وجور البعض في توظيف تلك النظرية إداريا، فعوضا عن طرد المركز لما هو غير جدير أو مؤهل بالبقاء، يتحول ممارس الضغوط «غير الحميدة وغير الذكية» إلى عنصر طرد لا جذب! وذلك ما لا يستقيم مع سنن الخلق والحياة، في أي ميدان وبصرف النظر عن الزمان والمكان، عبر مسيرة البشرية.
الأصل والعبرة هو النظر إلى الضغوط -الطبيعية والمدروسة- وتوظيفها لغاية الإصلاح، إصلاح مقرون بالإفصاح عن النوايا المدعومة بالبرامج التفصيلية لخطة عمل محكمة، يتم فيها الحرص على إدامة دوران عجلة الإنتاج، بحيث يطرد الصالحُ الطالحَ ويُنتخب من بين الصالحين أكثرهم صلاحا لرسالة المؤسسة ومهامها. قد تكون الرسالة واحدة ثابته طويلة الأمد، لكن ذلك لا ينطبق بالضرورة على المهام، كونها برامجية بالضرورة، لها مواقيتها وشروطها، ظروفها وأدواتها.
ينظر بعض «البراشوتيين» وهو تعبير رائج عن أولئك الذين ينزلون «بالبراشوت» أو مظلة الإنزال على مؤسسة أو فريق عمل، دونما التجهيز الملائم. ينظرون إلى الرؤوس الطامحة قبل الجانحة أو حتى الخاوية، فيسارعون إلى التخلص منها، عوضا عن توظيف ذلك الطموح -المعلن أو الخفي- إيجابيا لصالح المؤسسة والفريق.
وقبل اشتداد حرارة أيار وبلوغنا بعد حزيران تموز وآب اللهاب، قد يكون من المناسب إعادة فهم المعنيين بالطرد المركزي -رغم الحاجة الماسة إليه في القطاعين العام والخاص- إعادة فهم الضغوط على أنها نعمة لا نقمة، ثمة سُنّة حميدة، تعرف بإعفاء النفس استشعارا للحرج «رِكْيوز»، اتضح من تجارب عديدة قريبة وبعيدة، أنه كان من الأجدى لبعض «البراشوتيين» وكذلك البالغين رأس هرم المؤسسة تراتبيا مستحقا وبجدارة، كان من الأجدى لهم إعفاء أنفسهم من ممارسة ذلك الطرد المركزي الكذاب، لا الجذاب!
ولا أكثر من الأدلة على ذلك، عندما يطوي النسيان من أقصوا، وملأ المقصيّون السمع والبصر، في الجوار الإقليمي، وعدد من أكثر المؤسسات نجاحا في القطاعين العام والخاص، من أوروبا إلى اليابان، مرورا بالأمريكيتين.
أيار أو مايو في بلاد العم سام بالمناسبة، هو شهر تفتح الزهور، وفيه تكرّم الأم (ثاني آحاد الشهر). الأمومة بمعناها العظيم التي بها تقترن قداسة ومحبة الأوطان..
