في خضمّ مرحلة إقليمية مضطربة، جاء لقاء جلالة الملك عبد الله الثاني مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ليعيد تثبيت بوصلة الموقف الأردني الفلسطيني لا عبر طرح جديد بقدر ما هو تأكيد محسوب في توقيتٍ دقيق.
فعلى مستوى العناوين، أعاد اللقاء التأكيد على ثوابت راسخة، في مقدمتها ضرورة إنهاء الاحتلال، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 ورفض الإجراءات الأحادية التي تغيّر الواقع على الأرض، كما شدد على أهمية حماية المقدسات في القدس، في إطار الوصاية الهاشمية، إلى جانب الدعوة لتكثيف الجهود الإنسانية في قطاع غزة.
لكن القراءة السياسية الأعمق لهذا اللقاء لا تقف عند حدود ما قيل، بل تمتد إلى لماذا قيل الآن. فالمنطقة تشهد تصعيداً متزايداً في الضفة الغربية، وضغطاً إنسانياً غير مسبوق في غزة، في وقت تتكثف فيه التحركات الدولية بحثاً عن مخرج، في مثل هذا المناخ يصبح التنسيق الأردني الفلسطيني ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً.
اللقاء، في هذا السياق، يحمل رسالة واضحة مفادها أن عمّان ورام الله تتحركان برؤية موحّدة، وأن أي مقاربة دولية للحل لا يمكن أن تتجاوز هذا التنسيق أو تقفز عنه، وهو أيضاً تأكيد على أن الأردن، بحكم موقعه ودوره التاريخي، سيبقى لاعباً محورياً في ملف القدس، وأن الوصاية الهاشمية ليست مجرد عنوان رمزي، بل عنصر أساسي في أي معادلة قادمة.
كما يمكن قراءة اللقاء على أنه خطوة استباقية تسبق حراكاً دبلوماسياً أوسع، سواء على مستوى القوى الكبرى أو داخل الإقليم، حيث تسعى الأطراف المعنية إلى ترتيب مواقفها قبل الدخول في أي مسار تفاوضي محتمل.
وفي بعدٍ آخر، يخاطب اللقاء الداخل أيضاً؛ إذ يعيد التأكيد على ثبات الموقف السياسي، في وقت تتزايد فيه التساؤلات الشعبية حول مآلات القضية الفلسطينية وتداعياتها على المنطقة.
في المحصلة، لا يمكن اعتبار هذا اللقاء حدثاً بروتوكولياً عابراً بل هو محطة سياسية ذات دلالات، تعكس إدراكاً أردنياً فلسطينياً لحساسية المرحلة، وحرصاً على توحيد الموقف في مواجهة تحديات تتجاوز حدود الجغرافيا إلى عمق القضية، ففي السياسة، لا تُقاس أهمية اللقاءات فقط بما تُعلنه من قرارات، بل أيضاً بما تحمله من رسائل ضمنية، ولعلّ أبرز رسائل هذا اللقاء أن التنسيق ما زال قائماً، والموقف ما زال ثابتاً، لكن المرحلة القادمة قد تحمل ما هو أبعد من ذلك.
