بالرغم من أنّ هنالك محاولات جدية حدثت بالأمس في تمرير بعض السفن من ناحية، وفي عبور سفن عسكرية أميركية من ناحية أخرى إلى الخليج، ضمن خطة ترامب الجديدة فيما يسمى «مشروع الحرية» (لتأمين مضيق هرمز) إلاّ أنّ ذلك لا يمثّل حلاّ حقيقياً ومضموناً على المدى البعيد، ولن يكون مفضّلاً لدى شركات التأمين وهي لاعب مهم في هذه المعادلة، طالما أنّ إيران تدرك تماماً بأنّها إذا تخلت عن قبضتها على هرمز فإنّ ذلك سيضعف موقفها التفاوضي والاستراتيجي كثيراً في اللحظة الحالية.
في المحصلة إذا لم يحدث انفراج في المفاوضات الحالية بين إيران وأميركا فإن المحاولة الأميركية لتغيير الواقع عبر مضيق هرمز لن تكون ناجحة، وربما تؤدي إلى انهيار وقف إطلاق النار بالكلية، ويجعل الوضع أكثر هشاشة مما هو عليه الآن، لذلك فإنّ سيناريو العودة إلى الحرب مرجّح بقوة فيما لو فشلت المفاوضات، لأنّ الرهان على الحصار البحري لموانىء إيران لا يمثّل حلاً استراتيجياً على المدى البعيد، فضلاً عن أنّ هنالك احتمالية كبيرة لانتقال الاحتكاكات الحالية في المضيق إلى مستوى أعلى من التصعيد وصولاً إلى انفجار الحرب مرّة أخرى.
في المقابل وبالرغم من خطورة الوضع الحالي في المضيق إلاّ أنّه من الضروي أن نرى الصورة الأوسع لما يحدث؛ فليست فقط السفن التجارية عالقة في مضيق هرمز بل العالم كلّه، سواء اقتصادياً أم سياسياً أم أمنياً، وعلى صعيد النظام الدولي والعلاقة بين القوى العظمى، فما يحدث في المضيق اليوم يتجاوز مسألة التجاذبات الأميركية- الإيرانية، في محاولة الولايات المتحدة نزع الورقة من يد إيران من جهة، وإصرار إيران على عدم التفريط بها.
وإذا كانت كثير من القراءات تركّز على حجم صادرات الطاقة العالمية من هرمز، وتأثير ذلك على الاقتصاد العالمي، سواء على صعيد رفع الأسعار والتضخم أو أسواق الأسهم وغيرها، فإنّ النتيجة – غير المباشرة- هي الأكثر أهمية على الصعيد الاستراتيجي؛ إذ باتت مسألة الممرات وطرق التجارة إحدى أبرز قضايا الصراع الدولي اليوم، ولعلّ انسحاب دولة الإمارات من منظمة الأوبك مثال على أمثلة هائلة، مثل التنافس بين المشروعات الاقتصادية والتجارية، بل حتى الحرب الحالية نفسها ينظر لها في سياق الصراع الاقتصادي الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، في إطار محاولة إدارة ترامب تضييق الخناق على القوة الصينية الصاعدة اقتصادياً.
أمّا سياسياً فإنّ مضيق هرمز يكشف عن أزمات ومشكلات سياسية واستراتيجية كبيرة وعديدة، منها ما يتعلّق بالعلاقات الأميركية- الأوروبية، وشكّلت السجالات العديدة بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا من جهة وأميركا من جهةٍ أخرى دلالات واضحة على حجم الانقسام في المجتمع الغربي، وكذلك الحال في التفاوت والتباين في مقاربات دول المنطقة لمفهوم الأمن الإقليمي الجديد ولمستوى العلاقات مع إسرائيل وإيران وأميركا، ودخول باكستان والهند بقوة على خطّ السياسات الإقليمية في المنطقة.
بهذا المعنى قد لا نبالغ إن اعتبرنا أنّ قضية هرمز اليوم أصبحت البعد الأكثر أهمية في الحرب الأميركية الإيرانية، وتمثّل موضوعاً أهم بالنسبة لإيران من البرنامج النووي نفسه، وقد تكون هذه الجملة من أدقّ الجمل لما خلقته أزمة هرمز من تداعيات هائلة في مختلف الاتجاهات وليس فقط على مصير الحرب الراهنة والمفاوضات الموازية في إسلام آباد، وربما أهم من ذلك أنّها – أي أزمة هرمز- تعجّل بتغيير المعادلات الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، نحو نظام دولي جديد وأنظمة إقليمية ترتبط بدرجة رئيسية بالمصالح الاقتصادية، وتتراجع فيه قيم الليبرالية العالمية الاقتصادية التي سادت تحت تأثير نظام القطب الواحد، بعد الحرب الباردة، وبقيادة الولايات المتحدة الأميركية، التي تعود هي نفسها اليوم بإدارة ترامب لوضع حدود لحرية التجارة والسلع.
