بدعوة من مشروع بناء السلام في لبنان، احتضن فندق “ماديسون” في جونية مؤتمراً وطنياً جامعاً تحت عنوان: “لأن السلام ليس مجرد خيار، بل الجسر الوحيد نحو لبنان الغد”، وسط حضور حاشد لشخصيات سياسية ودينية ودبلوماسية وأمنية وحقوقية وإعلامية، إلى جانب ناشطي المجتمع المدني والشأن العام.
افتتح المؤتمر بالنشيد الوطني اللبناني، ثم ألقت الإعلامية باتريسيا سماحة كلمة ترحيبية أكدت فيها أن لبنان يمر بمرحلة مفصلية تتطلب استعادة الدولة لقرارها السيادي الحر، والتوقف عن إبقائه رهينة للصراعات الإقليمية والمحاور الخارجية.

وقالت إن اللبنانيين، منذ قيام دولة لبنان الكبير، ما زالوا يبحثون عن صيغة جامعة تؤسس لدولة قادرة وعادلة، مشيرة إلى أن محطات الحوار والتسويات المتعاقبة، من الميثاق الوطني إلى اتفاق الطائف وما تلاه من مصالحات، اصطدمت مراراً بالانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية وتضارب المشاريع السياسية.
وأضافت أن اللبنانيين كانوا كلما اقتربوا من فكرة الدولة، أعادتهم الصراعات إلى الأسئلة الجوهرية المرتبطة بهوية لبنان ودوره ومستقبله: أي وطن نريد؟ وهل تُبنى قوة لبنان بالمؤسسات أم بموازين القوى؟ ومن يملك القرار النهائي في الحرب والسلم؟ معتبرة أن هذه الأسئلة باتت اليوم أكثر إلحاحاً في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة والانهيار الذي أصاب لبنان على مختلف المستويات.
وأكدت سماحة أن الجنوب اللبناني لا يزال يعيش جراحه المفتوحة، فيما يدفع آلاف اللبنانيين أثمان الحروب والانقسامات والخيارات التي فُرضت على البلاد، مشددة على أن لبنان يقف اليوم بين خيارين: استعادة الدولة لقرارها وسيادتها ودورها الجامع، أو البقاء رهينة لصراعات الآخرين. ولفتت إلى أن اللبنانيين يتطلعون إلى وطن يكون قراره نابعاً من مؤسساته الشرعية وحدها، وتكون المصلحة الوطنية البوصلة الوحيدة التي تحدد خياراته ومستقبله، معتبرة أن السلام لم يعد مجرد مطلب سياسي، بل ضرورة وجودية لإنقاذ ما تبقى من الوطن وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
كما رأت أن مؤتمر “نداء السلام” يشكل مساحة للحوار المسؤول ومواجهة الأسئلة الوطنية الصعبة بشجاعة، من كيفية منع تكرار الانهيار، إلى إعادة بناء الثقة بين اللبنانيين، وحماية التعددية من التحول إلى انقسام دائم، وصولاً إلى تأسيس دولة يشعر فيها جميع المواطنين بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات. وختمت بالتأكيد أن السلام الحقيقي لا يعني فقط غياب الحرب، بل حضور العدالة وقيام الدولة ووجود مشروع وطني جامع يصون كرامة اللبنانيين ويضمن أن لا يُصنع مستقبلهم على طاولات الخارج.
من جهته، حدد المنسق العام للمشروع، الأستاذ رمزي أبو خالد، في كلمته الافتتاحية المرتكزات الأساسية لـ”المسار الوطني للسلام”، داعياً إلى تطبيق القرارات الدولية، وتثبيت الحياد الإيجابي، وحل ملف المبعدين داخل إسرائيل، وعودة النازحين، وإطلاق ورشة إعادة إعمار شفافة تمنع تكريس أي واقع أو كيان موازٍ للشرعية.
وشهد المؤتمر نقاشات معمقة توزعت على جلستين رئيسيتين تناولتا أزمات البنية الهيكلية والسياسية في لبنان.
وفي الجلسة الأولى، التي تناولت فلسفة السلم والتحولات الدولية وحماية الحدود، أكد العلامة السيد علي الأمين أن الأديان براء من الحروب التي تصنعها الطموحات السياسية والمصالح الضيقة، معتبراً أن السلم يشكل الحاضنة الأساسية لصون التعددية والتعايش المشترك. أما الإعلامية والكاتبة السياسية راغدة درغام فدعت إلى رؤية سياسية واقعية وجديدة تعيد ربط بيروت بمحيطها العربي والمجتمع الدولي، وتحصّن القرار الوطني من محاولات تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات. بدوره، قدّم الصحافي والمحلل السياسي أسعد بشارة قراءة تاريخية لمسار الدولة اللبنانية، مؤكداً أن التجربة أثبتت قدرة المؤسسات الشرعية على حماية الحدود عندما تكون المرجعية الوحيدة للقرار الوطني.
في الجلسة الثانية التي تناولت استقلالية المؤسسات والتوازن الوطني والسيادة الناجزة، شدد النائب اللواء أشرف ريفي على ضرورة تعزيز استقلالية القضاء والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية بعيداً عن التجاذبات السياسية، مؤكداً أن استعادة ثقة المجتمع الدولي بلبنان تبدأ من احتكار الدولة وحدها لقرار الحرب والسلم. من جهته، اعتبر الأب طوني خضرة أن قوة لبنان تكمن في تنوعه الثقافي والإنساني، وأن حماية أي مكوّن أو طائفة هي مسؤولية وطنية جامعة تصون العدالة والمساواة والعيش المشترك. أما الصحافي والمحلل السياسي طوني بولس فرأى أن السلام يشكل المدخل الأساسي لاستعادة السيادة، وأن بناء دولة طبيعية يتطلب حصرية السلاح وربط القرار الوطني بالمصلحة اللبنانية العليا.
وخلص المؤتمر إلى نداء موحد شدد على استمرار الحوار الوطني كأداة لبناء دولة عادلة وقادرة ومستقرة، ترتكز على سلطة القانون والمؤسسات، وتحفظ التعددية الثقافية والسياسية، بما يعيد للبنان ثقة أبنائه ودوره الحضاري والريادي في المنطقة.
