نافس الأردن في البطولات الإقليمية، العربية والآسيوية، وظهر المنتخب بصورة جيدة، لكن الوصول إلى كأس العالم مسألة مختلفة تماماً، وإذا أردنا ألا يكون وصولنا يتيماً أو ألا يكون هدفنا فقط الوصول من دون تحقيق نتائج، فإنّ مرحلة ما بعد كأس العالم تستدعي تفكيراً مختلفاً بصورة جذرية عما كان سابقاً، من قبل الاتحاد والحكومة والمعنيين بالشأن الرياضي، وإلاّ سيكون مصير المنتخب الكروي مثل منتخب كرة السلّة في التأرجح في الأداء والمستوى عموماً.
الموارد المالية لها دور كبير في تأطير السياسات المطلوبة، وهي مشكلة حقيقية، بخاصة إذا نظرنا إلى وضع الأندية وما تعانيه من أزمات مالية خانقة وإلى أوضاع اللاعبين المحليين المأساوية والتحديات التي يواجهونها في مسألة الاحتراف والموارد المالية. فمن الواضح أنّه حتى لو خصصت الحكومة مزيداً من الأموال للرياضة عموماً، ولكرة القدم خصوصاً، وهو أمر ضروري ومطلوب في المرحلة القادمة، فإنّ ذلك لا يكفي لأنّ كرة القدم أصبحت اقتصاداً قائماً بذاته وتنفق عليها موازنات هائلة وكبيرة، وحتى الأسلوب الحالي في إدارة الشأن المالي للأندية والاتحاد القائم على التبرعات فإنّه غير فعّال وليس كافياً ولن يكون حلاّ.
نقطة التحول المطلوبة تتمثّل في تحول كرة القدم إلى نظام اقتصادي متكامل (بزنس)، فهذا المجال انتقل عالمياً اليوم من إدارة الكرة Football Administration إلى صناعة الكرة Industry Football عبر استراتيجية جديدة للأندية وطريقة عملها بوصفها المؤسسات الحاضنة للعبة والتي تبني قدرات اللاعبين والعمود الفقري لتطوير هذه الرياضة، مثلما هو الحال في الأندية الأوروبية التي تجمع ما بين التبرعات والموارد المالية المختلفة والكبيرة التي تحصل عليها عبر أنظمة اقتصادية متخصصة.
عشية بطولة كأس العالم تحدث مروان جمعة، نائب رئيس اتحاد كرة القدم، عن خصخصة الأندية وبناء سياسات لتحول الأندية نحو الاستثمار وهو خيط مهم في الانتقال المطلوب، لكن هذا يستدعي بناء استراتيجية متكاملة وواضحة ونموذج اقتصادي للتحول المطلوب نموذج أعمال Business Model ، وتطوير هذه الصناعة لا يأتي اعتباطاً ولا قراراً أو تشريعاً فقط مرتبطا بنظام الأندية، إنّما يتطلب عقلية جديدة مختلفة، وهنالك اليوم تخصصات عالمية في جامعات مهمة في هذا المجال، وفي الوقت نفسه ثمّة خصوصية أردنية مرتبطة بالقدرة الشرائية ورأس المال والحالة الاقتصادية، مما يحدّد المسارات المطلوبة لتطوير الأندية، بخاصة الكبيرة منها والمرشّحة لأن تكون «نموذجاً» في هذا المسار.
على الجهة المقابلة فإنّ هنالك منظمة متكاملة مساندة لهذا التوجّه مرتبطة بالحكومة والسياسات الرسمية، مثل ربط المدارس والجامعات بالأندية وتفعيل البطولات وتعزيز دور الكشّافين للمهارات على الصعيد المحلي والإقليمي، وهنالك أردنيون أصبحوا متخصصين في هذا المجال الاقتصادي، والبطولات الجامعية وحصص الرياضة (وهنالك دراسة رقمية مهمة أنجزتها اللجنة الأولمبية مع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية قبل أعوام عن واقع حصص الرياضة في المدارس)، وفي تخصيص دعم أكبر لهذا المجال، وتعزيز الاستثمار في المجال الرياضي، بخاصة المدن الشبابية والرياضية التي من الضروري مراجعة العقلية السائدة في إدارتها حالياً لتكون أكثر تخصصية وكفاءة.
هذا كله يعيدنا إلى مسألة في غاية الأهمية تتمثّل في البنية التحتية، بخاصة أنّنا اليوم أمام بناء استاد رياضي كبير في المدينة الجديدة (عمرة)، فهنالك أموال كبيرة صرفت على بناء المرافق الرياضية والكروية لكن المشكلة الكبرى التي نواجهها هي الاستدامة والعناية، سواء على صعيد النفقات أو الكوادر المؤهلة للتعامل مع هذه المنشآت، وكثير منها – للآسف- تعرّض للإهمال أو الترهل بسبب ذلك، وقد أصبح هذا المستوى علماً ومجالاً قائماً بذاته عالمياً وتطوّر بشكل مذهل، بينما ما نزال ننفق أموالاً وتتبدد بسبب عدم التفكير بصورة مختلفة في الأمر!
من المهم أن يتحول السؤال من: كيف نتأهل مرة أخرى؟.. إلى كيف نتحول إلى دولة تنتج كرة القدم، لا دولة تحتفل كل عقد أو عقدين بإنجاز استثنائي. فالمنتخبات الكبرى حصيلة صناعة طويلة، وإذا كان التأهل إلى كأس العالم قد منح الأردن لحظة تاريخية، فإن المحافظة عليها تتطلب ثورة هادئة في طريقة التفكير والإدارة والاستثمار، حتى يصبح التأهل عادة لا استثناء.
