كتبت الدكتورة عبير العربي –
في عالمٍ يزداد صخباً بالأزمات والتحديات، تبقى هناك مبادرات قادرة على أن تعيد للإنسان إيمانه بالحياة، وتؤكد أن الخير ما زال قادراً على صناعة الفارق، وأن التنمية الحقيقية لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل تُبنى بالوعي والرحمة والعدالة واحترام الإنسان. ومن هنا، يطل مشروع «حقها» كواحد من أكثر المشروعات الإنسانية إلهاماً وتأثيراً، ليس لأنه مجرد مشروع تنموي عابر، بل لأنه يحمل في جوهره رسالة عميقة تقول إن المرأة ليست هامشاً في المجتمع، بل قلبه النابض وروحه الحقيقية.
لقد جاء إطلاق المشروع من قبل مكتب التنمية الإيبارشي التابع لمطرانية الأقباط الكاثوليك بالإسماعيلية بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة تحت شعار «نحو عدالة جندرية ومجتمعات أكثر استقراراً»، ليؤكد أن المجتمعات لا يمكن أن تنهض بينما تُترك النساء والفتيات يواجهن التهميش أو العنف أو التمييز أو غياب الفرص. فحين تحصل المرأة على حقها الكامل في الاحترام والتعليم والمشاركة والحماية، يصبح المجتمع بأكمله أكثر قوة وتماسكاً وقدرة على مواجهة المستقبل.
إن مشروع «حقها» لا يوزع وعوداً براقة، بل يزرع أملاً حقيقياً داخل القرى والمجتمعات الأكثر احتياجاً بمحافظة الإسماعيلية، من فنارة إلى عين غصين، ومن أبو صوير إلى أبو آدم والواصفية، حيث تصل الرسالة إلى البيوت البسيطة والقلوب التي أنهكتها الظروف، لتقول لكل فتاة: أنتِ لستِ وحدك، ولكل امرأة: صوتكِ مهم، وكرامتكِ حق لا يمكن التنازل عنه.
وما يجعل هذا المشروع استثنائياً بحق، أنه لا يتعامل مع المرأة باعتبارها رقماً في إحصائية أو حالة تحتاج إلى دعم مؤقت، بل يتعامل معها باعتبارها إنساناً كاملاً يمتلك القدرة على التغيير وصناعة المستقبل. لذلك جاء المشروع حاملاً رؤية تنموية شجاعة تؤمن بأن العدالة الجندرية ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة إنسانية ووطنية لحماية المجتمع من التفكك والعنف والجهل والانغلاق.
لقد أدرك القائمون على المشروع أن أخطر أنواع الظلم ليست دائماً تلك التي تُرى بالعين، بل تلك التي تتسلل إلى العقول عبر الأفكار القديمة والصور النمطية التي تقيد المرأة وتحاصر أحلامها. ولهذا لم يكتفِ «حقها» بالشعارات، بل اختار أن يخوض المعركة الأصعب: معركة الوعي والثقافة والتغيير الحقيقي من الداخل.
ومن هنا، جاء العمل مع الفتيات والشباب والمعلمين والإعلاميين ورجال الدين والعاملين بمراكز الشباب والجمعيات الأهلية، في رؤية تؤكد أن المجتمع لا يتغير بقرار، بل يتغير حين تتغير طريقة التفكير، وحين يصبح الاحترام أسلوب حياة، والمساواة قيمة راسخة، والرحمة لغة مشتركة بين الجميع.
ويستحق روماني عبد الشهيد، مدير مكتب التنمية الإيبارشي بالإسماعيلية، كل التقدير على هذه الرؤية الإنسانية الراقية التي تتجاوز المفهوم التقليدي للعمل التنموي، لتصنع مشروعاً يحمل روحاً حقيقية وإيماناً عميقاً بأن الإنسان هو أغلى ما تملكه الأوطان. فالمؤسسة لا تعمل فقط على تقديم الخدمات، بل تعمل على بناء إنسان قادر على الوقوف بثقة، وعلى استعادة حقه في الحلم والحياة الكريمة.
كما يبرز الدور الملهم الذي تقوم به ساندي لطيف نظمي، مدير مشروع «حقها»، والتي تقدم نموذجاً مشرفاً للقيادة المجتمعية الواعية، من خلال تبني نهج تشاركي يفتح أبواب الحوار ويكسر الحواجز النفسية والثقافية التي طالما وقفت أمام المرأة. فالمشروع لا يفرض التغيير من أعلى، بل يصنعه من داخل المجتمع نفسه، عبر بناء كوادر قادرة على نقل المعرفة وإشعال شرارة الوعي داخل كل بيت وشارع ومدرسة.
إن الأثر الحقيقي لمشروع «حقها» لن يُقاس فقط بعدد الورش أو التدريبات أو اللقاءات، بل سيُقاس بتلك اللحظة التي تكتشف فيها فتاة لأول مرة أن لها صوتاً يستحق أن يُسمع، وبذلك الشعور الذي تستعيد فيه امرأة ثقتها بنفسها بعد سنوات من التهميش، وبذلك الطفل الذي ينشأ داخل بيت يتعلم فيه معنى الاحترام بدلاً من العنف، ومعنى الشراكة بدلاً من التسلط.
ولا يمكن تجاهل الدور الوطني المهم الذي يقوم به المجلس القومي للمرأة، خاصة فرع الإسماعيلية بقيادة لبنى زكي، في دعم المبادرات التي تحارب التمييز والعنف وتنشر الوعي داخل المجتمعات الريفية، لأن بناء مجتمع متوازن يبدأ دائماً من حماية المرأة وتمكينها ومنحها المساحة الكاملة للمشاركة والإبداع.
إن «حقها» ليس مجرد مشروع تنموي، بل صرخة وعي ورسالة حب وإنقاذ مجتمعي، تؤكد أن التنمية الحقيقية تبدأ حين يشعر الإنسان بقيمته، وحين تدرك المرأة أن لها مكاناً تستحقه في هذا العالم دون خوف أو تهميش أو إقصاء.
إنه مشروع يكتب الأمل في زمن يحتاج بشدة إلى الأمل، ويزرع النور في أماكن طال انتظارها للضوء، ويؤكد أن المجتمعات العظيمة لا تُبنى بالقوة وحدها، بل تُبنى بالعدل والرحمة والوعي واحترام الإنسان.
ولهذا، فإن مشروع «حقها» ليس مجرد مبادرة تستحق الإشادة، بل تجربة إنسانية عظيمة تستحق أن تُروى، لأنها ببساطة تعيد إلينا المعنى الحقيقي للتنمية… التنمية التي تحفظ الكرامة، وتمنح الإنسان حقه الكامل في الحياة، وتصنع مستقبلاً أكثر عدلاً وإنسانية واستقراراً للجميع.
