في يوم إستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، يوما يجسد محطة وطنية سامية تحمل في أبعادها معاني الوحدة والإنتماء الصادق.
فالأردن، منذ إستقلاله، لم يكن مجرد دولة نشأت في لحظة تاريخية عابرة، بل كان وطن لرسالة خالدة حملتها القيادة الهاشمية بحكمة ومسؤولية، ليكون أنموذجًا فريدًا في منطقتنا العربية؛ وطنًا يجمع بين الأصالة والإنفتاح، وبين الانتماء الوطني والرؤية الإنسانية، وبين ثبات المبادئ وقدرة الدولة على مواكبة متغيرات العصر ومواجهة التحديات بأقتدار.
على مدى ثمانون عامًا، إستطاع الأردن أن يثبت بأن قوة الدول لا تُقاس بمساحتها أو بمواردها، بل بما تحمله من قيم وما تمتلكه من رؤية وما تصنعه من إنسان. ففي عالمٍ متغير بقي الأردن ثابتًا في رسالته، راسخا في نهجه وثابتًا في الإعتدال، يدافع عن كرامة الإنسان وحقه في العيش بسلام وأمن واستقرار.
واليوم، في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، حفظه الله ورعاه، يواصل الأردن مسيرته بوعي وأستشراف للمستقبل، جامعًا بين الوفاء للإرث الهاشمي العريق ومواكبا لمتطلبات العصر الحديث.
فقد رسّخ جلالة الملك حضور الأردن كصوتًا للإدراك والحوار، داعما لقضايا الأمة العادلة، مؤكدًا بذلك وفي مختلف المحافل الدولية أن السلام الحقيقي لا يقوم إلا عن طريق تحقيق العدالة وصون الإنسان والإستثمار فيه، معطياً بذلك جل الإهتمام لترسيخ مبادئ حقوق الشعوب ببناء الحياة الآمنة المستقرة.
ولعل من أبرز ما ميّز الدور الهاشمي عبر التاريخ تلك الأمانة الكبرى التي حملها تجاه القدس الشريف ومقدساته الإسلامية والمسيحية. فالوصاية الهاشمية لم تكن يومًا عنوانًا سياسيًا أو مسؤولية مرتبطة بظروف زمنية محددة، بل كانت عهدًا تاريخيًا وأمانة روحية وإنسانية متجذرة في وجدان الأسرة الهاشمية منذ عهد الشريف الحسين بن علي طيب الله ثراه، وأستمرت حتى يومنا هذا كنهج حميد تجاه مدينة شاهدة على تعليم الأنبياء وتراث الإنسانية جمعاء.
فالقدس ليست مدينة عادية في التاريخ؛ إنها المدينة التي تختلط فيها تراتيل الكنائس بتكبيرات المآذن، وتحمل حجارتها ذاكرة زمن وصلوات المؤمنين ودموع الحجاج القادمين من مشارق الأرض ومغاربها. ومن هنا جاءت الوصاية الهاشمية دفاعًا عن هوية المدينة ورسالتها، وصونًا لقدسية مقدساتها الإسلامية والمسيحية، وحفاظًا على إرثها الروحي والإنساني.
وفي هذا السياق، برز الأردن أيضًا بمبادرات فكرية وإنسانية رائدة، كان من أبرزها رسالة عمّان، التي لم تكن مجرد وثيقة فكرية، بل رؤية حضارية متكاملة أكدت على القيم الحقيقية للدين بوصفه رسالة رحمة وإعتدال.
لقد شكّلت رسالة عمان أنموذجًا
حضاريًا في مواجهة التطرف والإنغلاق، ورسّخت ثقافة الحوار والتفاهم بين الشعوب والأديان والثقافات.
إن المتأمل في الأردن يرى دولة تحتفل بثمانين عامًا من الإستقلال، ويرى قصة وطن إختار أن يكون جسرًا لا جدارًا، ورسالة لا شعارًا، وبيتًا يلتقي فيه التاريخ بالإيمان، والسياسة بالأخلاق، والوطنية بالإنسانية.
ثمانون عامًا مرّت، وما زال الأردن يحمل رسالته بهدوء الحكماء، ويحمل الهاشميون مسؤوليتهم بإيمانٍ راسخ بأن الأوطان الكبرى ليست تلك التي تفرض حضورها بالقوة، بل تلك التي تفرض إحترامها برسالتها وقيمها وثوابتها.
وفي عيد الاستقلال نحتفل بتاريخ وطن، ونحتفل بإستمرار رسالة؛ رسالة تقول إن الإيمان يمكن أن يكون جسرًا للمحبة، وإن الحوار يمكن أن يكون طريقًا للسلام، وإن حماية المقدسات ليست شأنًا سياسيًا فحسب، بل واجبًا حضاريًا وأخلاقيًا وإنسانيًا تجاه التاريخ والإنسان.
كل عام والأردن الهاشمي بخير وقوة ومنعة.
أسقف مريوط والنائب البطريركي في الإسكندرية
