«الناس أجناس». وقالوا أيضا الناس معادن منها النفيس ومنها الرخيص وقانا الله الابتلاء بذلك الصنف الأخير.
تعددية الأجناس هنا لا تعني ما يعرف بالإثنية لدى شلل منظمات المجتمع المدني أو الأهلي، طبعا غير الحكومية وغير الربحية كما يزعمون، الأجناس في سياق ذلك المثل الشعبي تعني كما المعادن من حيث خيرها وشرها وليس بالضرورة سعرها. الذهب أغلى من الملح كثيرا لكن الأول بالإمكان الاستغناء عنه فيما لا يصلح شيء إن غاب الملح أو فسد لا قدّر الله.
لذلك يمقت الناس على اختلاف منابتهم وأصولهم الإثنية، من خان «العيش والملح» أو من استرخص الملح واعتبره حقا مكتسبا لا منحة وعطية هبة ومكرمة. يصف من لا يصون العيش والملح بمعنى العشرة -مجرد العشرة- بأنه قليل الأصل أو عديم الناموس كما في بعض لهجاتنا العربية.
في بلاد العم سام تعامل الآباء المؤسسون مبكرا مع مفاهيم تتعلق بعدة طبقات من الوعي الإنساني الواحد في العالم كله، قديمه وجديده، حيث كانت أمريكا بمثابة العالم الجديد الذي يتطلع إليه كل من ابتلى بويلات أوروبا الإقطاعية والقمعية والتمييزية بين الأديان والأعراق والأجناس. لم تكن في أمريكا الناشئة قيام الدولة والاستقلال، ما يعادل الآن الأجهزة الاتحادية المعنية بضبط الزيارة والإقامة والمواطنة. معيار «التهلّي» والترحيب كان بالضيف الذي يحب ما تمثله أمريكا من قيم ومن يؤمن بقدرة الأمريكيين الجدد بتحقيق حلم المهاجرين جميعا بعالم أكثر أمنا وحرية وعدالة ورخاء. نص الدستور على حق الناس -الشعب- في «السعي» لتحقيق السعادة، طبعا ليس على حساب الآخرين فتساوي الحقوق يعني أولا تساوي الواجبات. من واجب الآتي من وراء أي حدود أن يحترمها أولا ومن ثم لكل حادث حديث، يترك الأمر لسلوكه لا لأقواله وإن كان للكلام وزنه في عالم اليوم بما فيه محتوى منصات «التواصل الاجتماعي»! واجب احترام الحدود واحترام الدولة القادم إليها وواجبات أخرى كالالتزام بالقانون العام للبلاد ومراعاة حقوق أهلها الأصليين والشرعيين والسابقين في الانتماء إليها، هي التي يترتب عليها الحقوق.
لضمان ذلك كان لا بد من «بوتقة انصهار» وقد أبدع الآباء المؤسسون ومن بعدهم من حمل لواء بناء الاتحاد وحمايته من ثلاث عشرة «مستوطنة» على الساحل الشرقي لبلاد كانت جزءا من الإمبراطورية الوحيدة في التاريخ التي لم تغب عنها الشمس، من ثلاث عشرة ولاية إلى خمسين وعين ترمب على غرينلاند وكوبا وحتى كندا الجارة الشمالية، العضو في الكومنويلث البريطاني.
يخوض ترمب في هذه الأيام معركة ضارية مع المحكمة العليا فيما يخص إصراره على إلغاء حق مكتسب فرضته ظروف عابرة. حق اكتساب الجنسية عبر المولد وتوريثها للأم أو للوالدين مسألة فرضتها حقبة العبودية.
لم يكن الأمر ليتطلب طرح هذا الملف الحساس لولا الاستغلال الجائر لذلك الاستثناء الذي صار قانونا فظنه البعض حقا مكتسبا لدرجة تولدت فيه كارثتان ضاغطتان على أمن أمريكا واقتصادها لا بل وهويتها وهذا الأكثر أهمية وخطورة.
سوء استغلال القانون -الذي بدأ استثناء واستجابة لوضع طارئ تاريخيا- أدى إلى ما تعرف بظاهرة المولود المرساة «آنكر بيبي» وكثير من تلك الحالات ما لم تكن معظمها هي خليط من سلسلة جرائم اجتماعية في المقام الأول. فباسم حق التعدد في الزواج مثلا، يخالف حامل تأشيرة دراسة القوانين والأعراف، يعشق على زوجته الصابرة التي تنتظره في بلاده الأصلية، يتزوج عليها ليس بالضرورة من مواطنة أمريكية قد تكون مهاجرة غير شرعية بالتهريب عبر عصابات الاتجار بالبشر، يحصل حمل يثمر طفلا فيصير أمريكيا وتبدأ سلاسل لا متناهية من الاستغلال التي تفاقمها ما تعرف بـ «سلاسل الهجرة» بحيث يستقدم كل من «الوالدين» أقارب بدعوى «لم الشمل». حتى الشذوذ والعياذ بالله صار يستغل كما تم الكشف عنه في بريطانيا عبر استقدام شركاء في الرذيلة والانحراف من وراء الحدود لغايات الاسترزاق والأموال التي تم كشفها بالملايين!
بوتقة الذين يريدون الانتماء لأي بلد في العالم تقوم على عملية صهر تلك المعادن على أن تبقى «الخلطة» معقولة في غالبيتها فيستطيع الذهب أن يحتفظ بنقائه دونما إغفال سمية بعض المعادن كالزرنيخ وانعدام قوام بعضها الآخر كالزئبق، لذلك كانت الزئبقية سُبّة لطالما ضحكنا منها وعلى أصحابها أولئك «الزئبقيين» الذين يتحركون في الاتجاهات كلها وليس الأواني المستطرقة وحدها!
صهر القادمين والمستقدمين في «بوتقة» العم سام نجحت نجاحا باهرا، فحتى يومنا هذا يعتد الأمريكيون بأصولهم ويتفاخرون لكن عندما يصل الأمر إلى الانتماء والولاء فلا مجال لا للقسمة ولا حتى للإضافة.
الانصهار بحاجة إلى وعاء معدني يشتد صلابة مع النار، لكنه في الوقت ذاته لا يتراخى في إبقاء النار والضغط في أعلى مستوياته لضمان أفضل النتائج وهي تخليص ما فيه من أي شوائب، هذا أولا ومن ثم لضمان حصيلة متجانسة لا تستطيع الفصل أو التمييز فيما بينها.
المسألة ليست ثقافة أو مشاعر، القضية قضية قرارات وإجراءات كفيلة بتحقيق تلك الحرارة وذلك الضغط.
وربنا ينصر سيدنا أبو حسين، قالها للشباب الأردني قبل سنوات: اضغطوا من تحت وأنا بضغط من فوق.. وكل عيد علم، وعلمنا عالٍ.. كل سنة، كل طالع شمس، وأردننا المفدى، وعريننا الأردني الهاشمي العبدليّ بخير.
