الجزء الثاني
أما الأردن، فيحتل موقعاً خاصاً ضمن هذه المعادلة، إذ يجمع بين كونه دولة غير نفطية تعتمد على الاستقرار الإقليمي، وبين موقعه الجغرافي الذي يجعله نقطة وصل بين المشرق والخليج. هذا يفرض عليه تبني استراتيجية دقيقة تقوم على الحفاظ على شراكاته الدولية، دون الانخراط في أي اصطفاف قد يضعه في موقع حساس، مع تعزيز دوره كمنصة استقرار وتنسيق، لا كساحة تنافس. قدرة الأردن على تحقيق هذا التوازن ستحدد إلى حد كبير موقعه في النظام الإقليمي الجديد، سواء كدولة عبور، أو كدولة قيمة مضافة ضمن منظومة أوسع.
في ضوء ذلك، لا يمكن أن تكون العلاقة مع إيران قائمة على القطيعة أو المواجهة، كما لا يمكن أن تُبنى على الثقة المطلقة. الخيار الأكثر واقعية يتمثل في انخراط منظم ومشروط، يقوم على فتح قنوات التعاون الاقتصادي والسياسي، مقابل التزام واضح بقواعد عدم الاعتداء، واحترام السيادة، والاحتكام إلى الأطر المؤسسية عند حدوث أي خلاف. هذا النوع من العلاقات لا يلغي التباينات، لكنه يمنع تحولها إلى أزمات، ويتيح في الوقت ذاته الاستفادة من أي تحول إيجابي في سلوك إيران، خصوصاً إذا ما اتجهت فعلياً نحو إعادة تموضع اقتصادي.
وفي الاتجاه ذاته، ينبغي أن تُدار العلاقة مع إسرائيل ضمن إطار توازن دقيق، يتيح الاستفادة من فرص التعاون في المجالات التي تخدم الاستقرار الإقليمي، دون الانزلاق إلى تبعية استراتيجية أو فقدان الاستقلالية في القرار. الفارق هنا يكمن في أن التعاون لا يكون هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة ضمن منظومة أوسع تُحددها مصالح الدول الوطنية، لا أولويات أطراف أخرى.
== المساحة الفلسطينية: بين الاندماج الاقتصادي والتدرج السياسي
في ظل هذا المناخ الإقليمي القائم على ردع متبادل مستقر وإدارة دولية للتوازنات، لا يمكن التعامل مع القضية الفلسطينية بمنطق القفز إلى الحلول النهائية، كما لا يصح اختزالها في بعدها الإنساني فقط. الواقع الأكثر ترجيحاً يشير إلى مساحة ممكنة ولكن محدودة ومشروطة لإدماج الفلسطينيين في البنية الاقتصادية للإقليم، على أن يسبق ذلك أي حديث عن تسويات سيادية مكتملة.
هذه المساحة تبدأ بما يمكن تسميته «حصة الكعكة»، أي تمكين الضفة الغربية وقطاع غزة من الاندماج التدريجي في منظومة الاستقرار الاقتصادي التي تتشكل في المنطقة، عبر مشاريع إعادة إعمار حقيقية، وربط فعلي بالبنية التحتية الإقليمية، وتوسيع القدرة على الحركة التجارية، وتطوير قطاعات إنتاجية وخدمية تمنح الاقتصاد الفلسطيني حداً أدنى من الاستدامة. هذا المسار لا يحمل وعوداً كبرى، لكنه يوفر أرضية عملية تمنع الانهيار، وتخلق مصالح مشتركة مع الجوار، وتُدخل الفلسطينيين في دورة اقتصادية إقليمية بدل بقائهم على هامشها.
غير أن هذا الإدماج الاقتصادي، رغم ضرورته، لا ينبغي أن يُساء فهمه كبديل عن المسار السياسي، بل كمرحلة تأسيسية له. فمسألة تقرير المصير لن تُحسم ضمن هذا الإطار الزمني القريب، بل ستبقى رهينة تطورات أبطأ وأكثر تعقيدًا، تتعلق بتغير المزاج السياسي داخل إسرائيل، وبمدى قدرة المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة وأوروبا على ممارسة ضغوط تدريجية تدفع نحو إنصاف الفلسطينيين ضمن معادلة لا تُهدد استقرار الإقليم.
بمعنى آخر، ما يمكن تحقيقه في المدى المنظور هو تحسين شروط الحياة والاقتصاد للفلسطينيين، وفتح مسارات اندماجهم في النظام الإقليمي الجديد، بينما يبقى الانتقال إلى صيغة سيادية كاملة مساراً تراكمياً طويل الأمد، يتشكل عبر الزمن، ويتأثر بتوازنات داخلية وإقليمية ودولية لا تزال في طور التشكل.
الخطر الحقيقي في هذه المرحلة لا يكمن في محدودية الطموح، بل في احتمال أن يتحول هذا المسار الاقتصادي إلى سقف نهائي بدل أن يكون مرحلة انتقالية. لذلك، فإن التحدي يكمن في تحقيق توازن دقيق: إدماج اقتصادي واقعي لا يُحمَّل أكثر مما يحتمل، مع إبقاء الأفق السياسي مفتوحاً even if distant كي لا تتحول الاستدامة الاقتصادية إلى بديل دائم عن العدالة السياسية.
في المحصلة، يتشكل شرق أوسط جديد لا يقوم على إنهاء الصراع بقدر ما يقوم على تنظيمه، ولا على إزالة التهديدات بقدر ما يقوم على إدارتها ضمن قواعد واضحة. في هذا الشرق الأوسط، لا تُقاس قوة الدول فقط بقدرتها على الردع، بل بقدرتها على الصمود، وعلى التكيف، وعلى الاستمرار في أداء وظائفها الحيوية مهما كانت الظروف. وبين ردع متبادل مستقر، ومنعة اقتصادية متقدمة، وعلاقات سياسية مرنة، تتحدد ملامح المرحلة القادمة، ليس كمرحلة حسم، بل كمرحلة إدارة طويلة الأمد للاستقرار.
