في السادس من أكتوبر لم تعبر مصر قناة السويس فقط… بل عبرت من زمن الانكسار إلى زمن استعادة الإرادة.
لم تكن صيحة «الله أكبر» مجرد هتاف في ساحة المعركة، ولم يكن العبور مجرد عملية عسكرية تُسجل في كتب التاريخ؛ كانت تلك اللحظة إعلانًا مدويًا بأن مصر، حين تستجمع إرادتها، تستطيع أن تواجه أصعب الظروف، وأن الجندي المصري الذي حمل سلاحه في ذلك اليوم كان يحمل معه كرامة وطن بأكمله.
عاااش… عاااش!
عاش اللي قال للرجال: عَدّوا القنال!
عاش اللي قال: يا مصرنا مفيش محال!
هكذا تتردد الذكرى في وجدان المصريين، لا كأغنية عابرة، وإنما كصوت جيل كامل رفض أن يسلّم بالهزيمة أو يقبل بأن تُكتب نهاية الحكاية قبل أن تبدأ من جديد.
لم يكن العبور مجرد عبور كان رسالة هي رسالة مفادها إن الأرض لها أصحاب يدافعون عنها، وإن الشعوب لا تُقاس بما تعرضت له من محن، وإنما بما تفعله عندما تقف أمام المحنة.
كان خلف كل جندي مصري أم تنتظر، وأب يدعو، وأسرة تخشى الفقد لكنها تعرف أن للوطن ثمنًا، وكان أمامه هدف واحد: أن تعود راية مصر مرفوعة، وأن يعرف العالم أن المصري حين يدافع عن أرضه لا يدخل المعركة بحثًا عن المجد الشخصي، بل دفاعًا عن وطن وتاريخ وكرامة.
رجال صنعوا لحظة لا تُنسى
كل التحية والتقدير لأبطال القوات المسلحة المصرية الذين خاضوا حرب أكتوبر، ولشهدائنا الذين قدموا أرواحهم، وللمصابين الذين حملوا آثار المعركة في أجسادهم، ولكل أسرة دفعت من أعز ما تملك ثمنًا من أجل الوطن.
هؤلاء لم يورثونا مجرد ذكرى.
لقد ورثونا مسؤولية.
مسؤولية أن نفهم قيمة الوطن، وأن نعرف أن الأوطان لا تُصان بالشعارات وحدها، وإنما بالعلم والعمل والانضباط والوعي والقدرة على مواجهة التحديات.
فمن يرفع علم مصر عليه أن يعرف ماذا يعني هذا العلم.
ليس قطعة قماش ترفرف في الهواء.
إنه تاريخ أجيال.
إنه دماء شهداء.
إنه صبر أمهات.
إنه دموع آباء.
إنه حلم وطن رفض أن ينحني.
يا مصر… مفيش محال
وهنا تكمن الرسالة الأهم التي تركها أكتوبر لكل مصري:
لا تستسلم لفكرة المستحيل.
قد تكون الطريق صعبة، وقد تكون التحديات قاسية، وقد تمر الأوطان بأيام عصيبة، لكن إرادة الإنسان قادرة على تغيير المعادلات عندما تتحول إلى عمل حقيقي وإيمان بالهدف.
أكتوبر لم يصنعه الكلام.
صنعته إرادة، وتخطيط، وتضحيات، وعلم، وتدريب، وإصرار، وتكاتف بين أبناء الوطن.
ولذا فإن أعظم احتفال بأكتوبر ليس أن نردد الشعارات فقط، وإنما أن نحافظ على المعنى الذي صنعت من أجله تلك التضحيات: أن تكون مصر في وجداننا مسؤولية قبل أن تكون شعارًا.
ارفع العلم… وتذكر أيها المصري…عندما ترفع علم بلادك، لا ترفعه لمجرد الاحتفال. ارفعه وأنت تتذكر من سبقوك. ارفعه وأنت تعرف أن خلف كل انتصار رجالًا دفعوا ثمنه. ارفعه وأنت مؤمن بأن مصر لنا
9