تحوّلت سترة الصحافة الميدانية في مسارح القتال المعاصرة من درع حماية كفله القانون الدولي إلى هدف مباشر في مرمى النيران؛ حيث كشفت المواجهات العسكرية الممتدة بين عامي 2023 و2026 عن انهيار غير مسبوق لضمانات الحماية الممنوحة للإعلاميين، مما جعل هذه الفترة الأشد دموية في تاريخ الصحافة الحديثة. ويرتكز الإطار القانوني الدولي لحماية الإعلاميين على قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان؛ إذ تُعرّف المادة التاسعة والسبعون من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف الصحفيين الميدانيين على أنهم مدنيون، وبذلك يتمتعون بحماية كاملة تحظر استهدافهم المباشر أو اتخاذهم كأهداف عسكرية طالما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال الحربية. كما تميز المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 بين الصحفي الحر والمراسل الحربي المعتمد لدى القوات المسلحة الذي يمنح حق التمتع بوضع أسير حرب في حال احتجازه مع حظر تعريضه للتعذيب. فضلاً عن ذلك، تُصنّف مقرات المؤسسات الإعلامية وأبراج البث كـ “أعيان مدنية” وفقاً للمادة الثانية والخمسين من البروتوكول الأول، ويحظر قصفها أو تدميرها إلا إذا استخدمت لأغراض عسكرية تمنح ميزة عسكرية ملموسة.
ومع ذلك، كشفت التطورات الميدانية خلال هذه الفترة عن نمط متصاعد من الانتهاكات والتكتيكات العسكرية الحديثة التي قوضت ضمانات الحماية التقليدية، حيث أظهرت التقارير استخدام سلاح الطائرات المسيرة وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتتبع الصحفيين واستهدافهم بشكل مباشر، يرافقها انتشار ممارسة شيطنة الصحفيين عبر اتهامهم بالمشاركة المباشرة في الأعمال القتالية دون تقديم أدلة قضائية مستقلة، إضافة إلى فرض قيود صارمة شملت قطع الاتصالات وتفعيل تشريعات الطوارئ لمنع التغطية.
وتتجلى خطورة هذه المرحلة في الحصيلة الدموية غير المسبوقة التي جعلت من المنطقة النطاق الأشد خطراً على حياة الصحفيين؛ ففي قطاع غزة، وثّقت التقارير الحقوقية والدولية ارتقاء أكثر من 180 صحفياً وعاملاً في القطاع الإعلامي جراء القصف المباشر والمستمر على المقرات والمنازل المأهولة. وفي السياق ذاته، كشفت حرب لبنان (2023–2026) عن نمط متكرر من الاستهداف المباشر للطواقم الميدانية أثناء أدائها لمهامها؛ بدءاً من استهداف الفريق الصحفي في بلدة علما الشعب بتاريخ 13 تشرين الأول/أكتوبر 2023 والذي أدى إلى استشهاد مصور وكالة رويترز عصام عبد الله وإصابة آخرين، مروراً بالقصف الذي طال فريق قناة الميادين في بلدة طيرحرفا بتاريخ 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 وأسفر عن استشهاد المراسل فرح عمر والمصور ربيع المعماري، وصولاً إلى الغارة التي استهدفت المجمع السكني للصحفيين في بلدة حاصبيا بتاريخ 25 تشرين الأول/أكتوبر 2024 وأودت بحياة المصورين غسان نجار ووسام قاسم والتقني محمد رضا. إن تكرار هذه الوقائع الموثقة يقطع بعدم عشوائيتها، ويؤكد الحاجة الماسة لتكييفها كجرائم حرب موجبة للملاحقة الجنائية الدولية.
وأمام هذه التحديات، تستلزم الانتهاكات الجسيمة تفعيل آليات المحاسبة والمسؤولية الجنائية الدولية؛ حيث يندرج القتل التعمّد أو الاستهداف المباشر للصحفيين ضمن جرائم الحرب وفقاً للمادة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهو ما دفَع منظمات دولية متعددة لتقديم شكاوى أمام الادعاء العام للمحكمة، بالاستناد أيضاً إلى قرار مجلس الأمن رقم 1738 لعام 2006 الذي أدان الهجمات ضد الصحفيين وطالب بإنهاء سياسة الإفلات من العقاب.
ختاماً، تُثبت الأزمة الراهنة لحماية الإعلاميين أن المشكلة لا تكمن في نقص القواعد القانونية، بل في ضعف آليات الامتثال وغياب الإرادة الدولية لفرض العقوبات، مما يتطلب إبرام صك دولي ملزم جديد يحدد إجراءات تحقيق مستقلة وسريعة، وإنشاء ممرات آمنة للصحفيين، إلى جانب تجريم استخدام أدوات التجسس والتقنيات الحديثة للتعقب الميداني وملاحقة الجهات المصنعة والمستخدمة لها على حد سواء
