«اكتئاب نيابي»؛ ربما كان المصطلح الذي استخدمته النائبة، ديما طهبوب، يحمل دلالة سياسية أكثر منها نفسية. فهو، في الحقيقة، يختزل حالة أوسع بكثير من مجرد انفعال عابر داخل القبة، ويعبّر عن شعور يتجاوز أصحابه إلى صورة المؤسسة نفسها. وإذا كان هذا هو إحساس بعض النواب تجاه أداء المجلس، فماذا عن المواطنين والمتابعين؟ ألسنا أمام حالة يمكن وصفها بـ»الاكتئاب السياسي الشعبي» تجاه المؤسسة التي يفترض أنها تمثلهم؟.
ليست القضية هنا في المادة الثانية من قانون الأملاك العقارية، ولا في هذا القانون أو ذاك، بقدر ما هي في ظواهر نيابية متكررة، تحولت مع الزمن إلى أمراض مزمنة لم ينجح مجلس النواب في التخلص منها. وهي، في جانب كبير منها، تفسر لماذا أظهرت استطلاعات الرأي خلال السنوات الماضية تراجعاً واضحاً في الثقة بالمجلس، بالرغم من أنه المؤسسة التي يفترض أن تكون الأقرب إلى الناس والأكثر تعبيراً عن إرادتهم، بحكم أنها تأتي عبر الانتخابات والاختيار الشعبي.
المفارقة أن المجلس أصبح في كثير من الأحيان أقل مصداقية لدى الرأي العام من الحكومات نفسها، مع أن الحكومات غير منتخبة بصورة مباشرة، بينما يستمد النواب شرعيتهم من صناديق الاقتراع. وهذه مفارقة تستحق التوقف عندها، لأنها تكشف أن أزمة المجلس ليست أزمة تشريعات، بل أزمة أداء وثقة وصورة عامة.
يكتسب الأمر بعداً أكثر أهمية إذا تذكرنا أن هذا هو أول مجلس يأتي بعد مشروع التحديث السياسي، وكان يفترض أن يمثل الاختبار الأول لدخول الأحزاب إلى البرلمان بصيغتها الجديدة، وأن يقدم نموذجاً مختلفاً في العمل النيابي، سواء في النقاشات أو في التشريع أو في الرقابة أو في إدارة الاختلاف السياسي. كان المتوقع أن نرى انتقالاً من النائب الفرد إلى الكتلة المؤسسية، ومن ردود الفعل إلى السياسات، ومن الاجتهادات الشخصية إلى البرامج الحزبية.
ما حدث، حتى الآن، لا يبعث على كثير من التفاؤل. فالأحزاب، في معظمها، لم تستطع أن تقدم نموذجاً مختلفاً في الأداء البرلماني، ولم تنجح في التحرر من الإرث التقليدي الذي حكم الحياة النيابية لعقود. فما زالت الفردية تطغى على العمل الجماعي، وما زالت الارتجالية حاضرة في التعامل مع التشريعات والقضايا العامة، فيما يغيب، في كثير من الأحيان، الموقف المؤسسي المبني على رؤية الحزب وبرنامجه، حتى لدى الكتل التي يتجاوز حجمها كتلة المعارضة ممثلة بحزب الأمة.
الأخطر من ذلك هو استمرار الفجوة بين الخطاب والتصويت؛ وهي ظاهرة نيابية أردنية قديمة، كان يفترض أن تتراجع مع صعود الأحزاب، لكنها ما تزال حاضرة بقوة. فمن حق الحزب أن يعارض الحكومة أو يؤيدها، وأن يصوت مع مشروع قانون أو ضده، فالمعارضة ليست رفضاً دائماً، والموالاة ليست تأييداً دائماً. لكن ما ينتظره المواطن هو أن يكون التصويت مفهوماً ومتسقاً مع البرنامج السياسي للحزب، وأن يستطيع الناخب أن يتوقع موقف الحزب قبل التصويت لأنه يعرف مرجعيته الفكرية والسياسية، لا أن يفاجأ بتناقضات يصعب تفسيرها.
لم يعد مقبولاً أن يبقى السلوك النيابي للكتل الحزبية مرتهناً للثقافة السابقة؛ ثقافة الفردية والارتجال والمواقف المتقلبة. فمشروع التحديث السياسي لم يقم أساساً لزيادة عدد الأحزاب داخل البرلمان، وإنما لبناء حياة برلمانية مختلفة، يكون فيها الحزب مسؤولاً أمام جمهوره عن مواقفه وتصويته، كما يكون الناخب قادراً على محاسبة الحزب على أساس برنامجه، لا على أساس العلاقات الشخصية أو الحسابات الآنية.
مع اتساع الحصة الحزبية في المجلس القادم، لتصل تدريجياً إلى نصف أعضائه، تصبح المسؤولية أكبر، لا على الحكومة وحدها، بل على الأحزاب أيضاً. فإذا لم تستثمر هذه الفرصة لتقديم نموذج برلماني أكثر مؤسسية ووضوحاً وانضباطاً، لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: هل يوجد اكتئاب نيابي؟ بل: هل بدأ هذا الاكتئاب يتحول إلى شعور شعبي عام تجاه المؤسسة البرلمانية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن علاج الحالة لا يبدأ بتعديل مادة في قانون، وإنما بإعادة الاعتبار لفكرة البرلمان بوصفه مؤسسة سياسية، وللحزب بوصفه برنامجاً وهوية ومسؤولية، يتجاوز مجرد عنوان انتخابي جديد.
