من الحقائق التي يغفل عنها كثيرون أن الإبداع يحتاج إلى وقت بقدر حاجته إلى الموهبة. فالكاتب يحتاج إلى ساعات طويلة من القراءة والكتابة والتأمل، والعالم يحتاج إلى سنوات من البحث والتجربة، والفنان يحتاج إلى التدريب والممارسة والخطأ والتصحيح. وهنا قد تصبح الثروة أو الاستقرار المادي عاملًا مساعدًا، لأنها توفر للمبدع الوقت والوسائل والبيئة التي تمكنه من تطوير أفكاره. فالمال لا يخلق العبقرية، لكنه قد يمنحها فرصة أكبر للنمو والازدهار.
ومن المهم أيضًا التمييز بين الامتياز والموهبة. فقد يمنح المال أو المكانة الاجتماعية صاحبه فرصة الظهور الأول، لكنه لا يستطيع أن يفرض على الناس قصيدة ضعيفة لتعيش قرونًا، ولا أن يجعل لوحة متواضعة تحجز مكانها في المتاحف العالمية، ولا أن يحول اختراعًا فاشلًا إلى إنجاز يغير حياة البشرية. إن الامتياز قد يفتح الباب، أما البقاء والخلود فلا يصنعهما إلا الإبداع الحقيقي.
نعم الله لا تخضع للحسابات البشرية
ومن الأخطاء التي استقرت في أذهان بعض الناس تصورهم أن نعم الله تُوزع بطريقة تعويضية جامدة؛ كأن من رُزق المال ينبغي أن يُحرم من الذكاء، ومن أوتي الجمال لا بد أن ينقصه العلم، ومن ينتمي إلى عائلة عريقة يستحيل أن يكون مجتهدًا، ومن يتولى منصبًا رفيعًا لا يمكن أن يملك موهبة حقيقية. والحقيقة أن الأرزاق لا تخضع لهذه الحسابات البشرية الضيقة، ولا تُقسم وفق رغبات الناس أو قدرتهم على تقبل تفوق الآخرين. فقد يجمع الله لإنسان واحد المال والعلم والجمال وحسن الخلق والموهبة، وقد يمنح آخر الصبر والحكمة والقدرة على الإبداع رغم قلة موارده، وقد تتوزع النعم بين الناس بصور مختلفة لا يحيط بحكمتها إلا الله.
وليس اجتماع النعم في شخص واحد انتقاصًا من غيره، كما أن تفوق إنسان لا يعني أن فرص الآخرين قد انتهت. فالأرزاق ليست ساحةً مغلقة إذا نال منها أحد حُرم الآخرون، والإبداع ليس مقعدًا وحيدًا يتصارع الناس عليه. إنما لكل إنسان نصيبه وطريقه ورسالة يستطيع أن يؤديها إذا عرف قدر ما أُعطي وأحسن استثماره. والمشكلة لا تكمن في تعدد النعم عند إنسان، بل في النفس التي تضيق بها، وترى نجاح الآخرين اعتداءً على مكانتها بدل أن تراه دليلًا على اتساع فضل الله.
الرضا بقسمة الله: طريق السعادة والنجاح
ولهذا فإن الاعتراض الخفي على اجتماع النعم عند الآخرين ليس مجرد رفض اجتماعي، بل هو في جوهره اعتراض على قسمة لم يضعها البشر. فالرضا لا يعني الاستسلام أو التخلي عن الطموح، بل يعني أن يسعى الإنسان إلى تطوير نفسه من غير أن يطالب بزوال فضل الآخرين، وأن يؤمن بأن نجاح غيره لا يغلق بابه، وأن نور إنسان آخر لا ينتقص من نوره.
ومن هنا يصبح الاحتفاء بالمتميزين علامة صحة أخلاقية وحضارية، بينما يصبح التشكيك الدائم فيهم علامةً على اضطراب داخلي وثقافة لا تحتمل تعدد النجاحات. فالمجتمع الناضج لا يسأل لماذا اجتمعت النعم في هذا الشخص، بل يسأل: كيف يمكن أن يستثمرها في الخير؟ ولا ينشغل بكسر صورة الناجح، بل بتوسيع الطريق حتى ينجح آخرون أيضًا. فليس العدل أن تتساوى مواهب البشر ونعمهم، وإنما العدل أن تُتاح لكل إنسان فرصة أن يكتشف ما لديه، وأن يُقاس بما يقدمه، لا بما يثيره في نفوس الآخرين من غيرة أو استكثار.
محبة الناس.. الغنى الحقيقي
وفي النهاية، وقد يكون بعض هؤلاء الأشخاص أسرى للمقارنة الدائمة، فيضيقون بنجاح الآخرين، ويجدون صعوبة في الفرح لهم، حتى لو بدوا ناجحين في ظاهر حياتهم.
وقد يكون حب الناس الصادق لأحد المتميزين سببًا في إثارة غيرة بعض النفوس؛ لأن المحبة الحقيقية لا تُفرض، بل تُكتسب بالأخلاق وحسن المعاملة وصدق العطاء.
إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل أنصبة الناس من النعم متماثلة، بل وزّعها بحكمة؛ فقد يجتمع لإنسان المال والعلم والجمال والمنصب، وقد يمنح آخر الصبر والحكمة والموهبة، ولكل إنسان نصيبه الذي قدّره الله له بحكمته.
