احتفى مهرجان المونودراما المسرحي الرابع، المقام ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون، بالفنانة الأردنية القديرة قمر الصفدي، التي اختيرت شخصية الدورة الرابعة، تقديراً لمسيرة فنية وإبداعية امتدت لأكثر من ستة عقود، أسهمت خلالها في ترسيخ دعائم الحركة المسرحية والدرامية والإذاعية في الأردن، وتركت بصمة راسخة في ذاكرة الفن العربي.
وتُعد قمر الصفدي واحدة من أبرز رائدات الفن الأردني، إذ برزت منذ سنواتها الدراسية الأولى بتفوقها الأكاديمي وموهبتها اللافتة في الإلقاء والخطابة، قبل أن تبدأ مشوارها المهني عبر الإذاعة الأردنية، التي شكلت بوابتها الأولى إلى عالم الفن، حيث صقلت موهبتها واكتسبت خبرة الأداء والإلقاء التي رافقتها طوال مسيرتها.
ومع انطلاقة الدراما الأردنية، كانت الصفدي من أوائل الفنانات اللاتي اعتلين خشبة المسرح، كما شاركت في بطولة أول مسلسل تلفزيوني أردني «فندق باب العامود» عام 1969 إلى جانب الفنان وحيد جلال، لتسهم في كتابة الفصل الأول من تاريخ الدراما المحلية، قبل أن تواصل حضورها في عشرات الأعمال التلفزيونية والمسرحية والبدوية التي رسخت مكانتها لدى الجمهور.
وشملت مسيرتها أعمالاً بارزة من بينها «هارون الرشيد»، و»مقامات الحريري»، و»عروة بن الورد»، و»بدوي السياط»، و»صقور لا تلهث»، و»قمر وسحر»، و»الرحيل»، و»السقاية»، إلى جانب مشاركاتها في أعمال تاريخية واجتماعية وبدوية شكلت جزءاً مهماً من ذاكرة الدراما الأردنية.
ولم يقتصر عطاؤها على التمثيل، بل كان لها دور ريادي في تأسيس نقابة الفنانين الأردنيين إلى جانب الفنان الراحل محمود أبو غريب، في خطوة أسهمت في تنظيم العمل الفني والدفاع عن حقوق الفنانين، رغم المفارقة التي تمثلت بعدم تمكن أبو غريب من الانتساب إلى النقابة في بداياتها لعدم حمله الجنسية الأردنية آنذاك.
كما برزت الصفدي في مجال الدبلجة، إذ ارتبط صوتها بذكريات أجيال عربية كاملة من خلال مشاركتها في عشرات الأعمال الكرتونية الشهيرة، من أبرزها «سالي»، و»صاحب الظل الطويل»، و»الكابتن ماجد»، و»فيردي»، و»بوليانا»، و»هيلين كيلر»، و»جزيرة الدب»، و»مدينة الألوان»، و»المناهل»، وغيرها من الأعمال التي تميزت فيها بدقة مخارج الحروف وثراء الأداء الصوتي، إلى جانب مشاركاتها في دبلجة العديد من المسلسلات اللاتينية.
وفي الإذاعة، واصلت حضورها من خلال البرامج والتمثيليات، وكان من أبرزها برنامج «قمر ونجوم» الذي أعدته وقدمته عبر الإذاعة الأردنية، مستضيفة شخصيات من مختلف المجالات للحديث عن تجاربهم ومسيرة نجاحهم.
وتوجت الفنانة الكبيرة مسيرتها بعدد من الجوائز والأوسمة، أبرزها وسام الملك عبدالله الثاني للتميز من الدرجة الثانية عام 2019، وجائزة الدولة التقديرية في حقل التمثيل عام 2008، إضافة إلى تكريمات من وزارة الثقافة ومهرجان المسرح العربي والمهرجان الوطني للمسرح المحترف في الجزائر، فضلاً عن تكريمها في عدد من المحافل الثقافية والفنية العربية.
ويأتي اختيار قمر الصفدي شخصية للدورة الرابعة من مهرجان المونودراما تتويجاً لمسيرة حافلة بالعطاء، واعترافاً بإسهاماتها الكبيرة في بناء الحركة الفنية الأردنية، حيث أعربت خلال حفل التكريم عن اعتزازها بهذا التقدير، مؤكدة أن هذا التكريم يمثل تقديراً لجيل الرواد الذين أسسوا للفن الأردني، وموجهة شكرها لوزارة الثقافة وإدارة مهرجان جرش ومهرجان المونودراما على هذه اللفتة الوفية.
ويُعد مسرح المونودراما من أصعب أشكال الفن المسرحي، إذ يعتمد على ممثل واحد يقف على خشبة المسرح لمدة قد تصل إلى ساعة أو أكثر، حاملاً على عاتقه مسؤولية إيصال فكرة إنسانية عميقة والمحافظة على تفاعل الجمهور طوال العرض، وهو ما يجعله اختباراً حقيقياً لقدرات الممثل الإبداعية والأدائية.
وجاء تنظيم الدورة الرابعة من مهرجان المونودراما ثمرةً لجهود مديرته الفنانة عبير عيسى، التي آمنت بأهمية هذا اللون المسرحي، وعملت بالتعاون مع عدد من الفنانين والمهتمين بالشأن المسرحي على استحداث مهرجان متخصص بالمونودراما ضمن فعاليات مهرجان جرش، بهدف دعم هذا الفن وإتاحة مساحة أوسع لتجارب مسرحية تعتمد على الأداء الفردي والإبداع الفني.
وأعربت الفنانة قمر الصفدي عن اعتزازها باختيارها «شخصية المهرجان»، مؤكدة أن هذا التكريم يمثل وساماً تعتز به، ويمنحها دافعاً لمواصلة العطاء في خدمة المسرح الأردني. كما وجهت شكرها إلى مديرة المهرجان الفنانة عبير عيسى والهيئة الإدارية على هذا التقدير، مثمنة الجهود الكبيرة التي بُذلت لإنجاح الدورة الرابعة وإخراج حفل التكريم بصورة تليق بالمسرح الأردني ورموزه.
كما أشادت الصفدي بإدارة مهرجان جرش للثقافة والفنون لاحتضانها مهرجان المونودراما، مؤكدة أن هذه المبادرات تسهم في ترسيخ مكانة المسرح الأردني ودعم الفنانين، معربة عن أمنياتها باستمرار المهرجان وتحقيق المزيد من النجاحات في الدورات المقبلة.
