كشفت الحرب الدائرة، أن استهداف الأردن يتجاوز اعتبارات الموقع الجيوسياسي أو التزاماته السيادية، بل إن سياق ما يجري يؤكد وجود حالة عداء أصيلة، وأن الذرائع المطروحة محاولة للبرهنة السياسية لإعتداء عسكري فاقد للشرعيته ومسوغاته. فبذور هذا العداء نمت عبر عقود من الحقد المتجذر، فالمتتبع لسياق هذه الحالة العدائية، والمعبر عنها من خلال عدد لا حصر له من المكائد، وتجنيد وبناء ودعم خلايا وجماعات في الداخل، أو حشد ميليشيات على الحدود الشمالية والشرقية خلال فترات تعلن عن نفسها عند كل حدث إقليمي، يدرك أن ذلك كله يبني سياقًا متأصلًا، تمظهر في أحد أبرز مظاهره بالهجوم على الأردن بالصواريخ والطائرات المسيّرة بشكل شبه يومي، بذرائع مهترئة، في حين تقع إسرائيل على بعد دقيقتين فقط من مسار هذه الصواريخ.
هل نسيت إيران دعم الأردن للعراق في الحرب العراقية الإيرانية؟ فقد كان دعمًا مباشرًا ودعمًا سياسيًا كبيرًا، فضلًا عن تعويض الأردن لميناء البصرة عند اشتداد الحرب، فأصبح الأردن عمقًا حقيقيًا للعراق في الحرب التي استمرت ثماني سنوات، وتكبدت خلالها إيران خسائر فادحة. وهل نسيت إيران أيضًا إحباط الأردن لجميع محاولات اختراق الساحة الأردنية تحت مسمى السياحة الدينية، واستغلال مقامات عدد من الصحابة للتسلل عبر الحرس الثوري إلى الداخل الأردني؟
وعلينا أن نضع في السياق نفسه إغلاق مكاتب حركة حماس في الأردن، بعد أن وضع الأردن يده على كثير من الصلات والأجندات الخارجية التي كانت تصب في مصلحة قوى إقليمية، لا في مصلحة القضية الفلسطينية بصورة مباشرة، وتُشكل في الوقت ذاته تهديدًا للأردن عبر تمدد إيران إلى الساحة الأردنية من الباب الخلفي. فكيف نظرت إيران إلى ذلك في إطار شعار “تصدير الثورة”، الذي تعثر لفترة بسبب الحرب العراقية الإيرانية، ثم عاد للظهور بمسميات وأدوات مختلفة؟
ثم ماذا عن مساندة الأردن للشعب السوري خلال ثورته، وتوفيره الملاذ الآمن لمن فتكت بهم قوات النظام والميليشيات الإيرانية؟ وماذا عن محاولة تلك الميليشيات نفسها إغراق الأردن بعصابات تهريب المخدرات والأسلحة، بهدف زعزعة أمنه وسلمه المجتمعي، وتوفير بيئة خصبة للخلايا الإرهابية، فضلًا عن تأمين موارد مالية غير مشروعة لهذه الميليشيات؟ كل ذلك يأتي أيضًا في سياق العداء الإيراني المتأصل للأردن، والممتد عبر عقود طويلة.
ويكفي أن نتذكر ما نُسب إلى قاسم سليماني القائد السابق لفيلق القدس عن الأردن بوصفه المكافأة التي يسعون إليها. وإذا أضفنا إلى ذلك أن الأردن، ممثلًا بقيادة الدولة، كان من أوائل من نبهوا إلى خطورة الأجندات الإيرانية ومشاريعها في المنطقة، التي استلبت دولًا وصادرت قراراتها السيادية عبر أذرعها المنتشرة هنا وهناك، بهدف تحويل تلك الدول إلى أدوات لخدمة المشروع الإيراني، وإحكام السيطرة المذهبية.
