قال لي أحد المسؤولين يوما إن زميلا سابقا له، تقاعد منذ سنوات، جاءه زائراً في مكتبه، وبينما هما في حديثهما، لم تكف مكالمات الهاتف عن أن تقطع عليهما حبل الكلام مرة بعد أخرى، حتى ضاق المسؤول ذرعا وقال متبرما: «حين أتقاعد لن أُبقي عندي هاتفا»، فابتسم صديقه القديم ابتسامة من عرف الطريق قبله، وقال بهدوء: «لا داعي لذلك… فحين تتقاعد، لن يهاتفك أحد».
في هذه الجملة القصيرة حكمة عمر كامل، فما ظنه ذاك رسائل شوق ووصل، لم تكن تطلبه هو، بل تطلب مكانته؛ وما حسبه ازدحاماً بالأصدقاء، لم يكن إلا تزاحما لأصحاب الحاجات والوساطات. ولهذا قال جون كينيدي حين تولى الرئاسة عبارته الصادقة: «سأحتفظ بأصدقائي القدامى، فأنا لن أُكوّن أصدقاء جددا في هذا المكان». فقد أدرك، وهو في ذروة السلطة، أن ما يُقبل عليه فيها ليس صداقة، وأنّ الصداقة الحقيقية عملة نادرة لا يسكّها الجاه.
فالناس في حياتنا ينتظمون في دوائر تضيق وتتسع، فهناك دائرة واسعة من المعارف والأقارب والجيران تشمل العشرات وربما المئات، وهم جزء مهم من حياتنا لكن لا يصح أن نطلب منهم ما لا يملكونه. ثم هناك دائرة أضيق من الأصدقاء الذين يجمعنا بهم ظرف زماني أو مكاني تنتهي الصداقة بانتهائه، من زملاء مهنة أو دراسة تجاوزت العلاقة بهم حدّ الزمالة، وتحولوا إلى ندماء نأنس بقربهم ونتطلع إلى لقائهم، فهم رفقاء رحلة نفترق عنهم حال وصولنا نهايتها، ووجودهم في حياتنا ضرورة لكنها ضرورة لا ترفعهم إلى مقام الصديق الحقيقي.
ثم تبقى الدائرة الأضيق والأثمن، من القلّة النادرة الذين يبقون حولنا حين ينفضّ عنا الآخرون، ولا تغريهم فينا سلطة أقبلت ولا يصرفهم عنا جاه أدبر. ومن فضل الله على الإنسان أن يهبه من هؤلاء عددًا لا يتعدّى أصابع اليد الواحدة؛ وهذا في الحقيقة عدد وفير في نظر من يدرك معنى الصداقة الحقيقية، فكثير من الناس تمرّ أعمارهم كلها وهم يبحثون عن صديق واحد صادق، دون أن يظفروا به.
والخطأ الذي يقع فيه الكثيرون هو الخلط بين هذه الدوائر، فمن السذاجة أن نرى في صاحب المصلحة صديقا، أو أن نطلب من إحدى الدوائر ما لا تملكه وأن نحمّلها ما لا تطيقه. ولعل أشد الناس تبرما من انفضاض «الأصحاب» هم أولئك الذين بهرت السلطةُ أعينَهم يوم كانوا فيها، فعجزوا عن التفريق بين صاحب المصلحة وبين الصديق، فلما زالت السلطة رأوا في انفضاض الناس عنهم خيانة ونكرانا للجميل من قبل من حسبوهم أصدقاء، والحقيقة أنّه لم يكن لهم من هؤلاء صديق قط.
في العبارة التي ختم بها الصديق حديثه دواء وحكمة معا، فمن أراد أن يعرف أصدقاءه الحقيقيين، فلينظر لا إلى من يهاتفه وهو في المنصب، بل إلى من سيبقى يهاتفه حين يغادره. أولئك وحدهم من يستحقون أن نمسك صداقتهم بكلتا اليدين، وأن نحتفظ بهم كما احتفظ كينيدي بأصدقائه القدامى، لأنهم أحبونا نحن، لا ما كان بين أيدينا.
فاصنع صداقاتك قبل أن تصل، فما بُني على منصب أو جاه زال بزواله، وما بُني على المحبة الصادقة بقي حين لا يبقى شيء.
*عنوان المقال مقتبس بتصرف من عنوان رواية غابريل ماركيز «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه».
