جاء البيان الأردني – الخليجي (قبل أيام) الذي أدان الاعتداءات الإيرانية وأكد حق الدول في الدفاع عن نفسها، بعد أن اتسعت الهجمات الإيرانية (تجاه الأردن والخليج) وتزايدت الضغوط على أمن الملاحة في الخليج، ويمكن قراءة البيان بوصفه رد فعل سياسي على هذه الاعتداءات، لكن القراءة الأهم أنه يعكس إدراكاً بأن المنطقة تجاوزت بالفعل المرحلة التي أعقبت وقف الحرب، وأنها دخلت مرحلة جديدة تختلف في طبيعة الصراع وأولوياته وحساباته.
خلال الأشهر الماضية كان الجدل الإقليمي يدور حول البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل التفاهمات بين واشنطن وطهران، وحجم الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل. أما اليوم فقد انتقلت بؤرة الصراع إلى مضيق هرمز، ومعه باب المندب، أي إلى قلب المصالح الاستراتيجية لدول الخليج، وإلى الشريان الذي يعبر منه أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، لهذا يبدو البيان الأردني – الخليجي أقرب إلى إعلان نهاية مرحلة منه إلى مجرد موقف سياسي. فالسياسات التي اتبعتها هذه الدول خلال الحرب الأخيرة، والقائمة على الحياد الإيجابي واحتواء التداعيات، كانت منطقية في ظل صراع تمحور حول البرنامج النووي والضربات العسكرية المباشرة. أما عندما يصبح أمن هرمز وباب المندب هو محور الاشتباك، فإن قواعد المرحلة السابقة لم تعد كافية، لأن الخطر لم يعد يمر عبر المنطقة، بل أصبح يطالها مباشرة.
يزداد هذا التحول أهمية مع اتساع رقعة جغرافيا الصراع، لتمتد إلى البحر الأحمر عبر الحوثيين، بما يجعل الممرين البحريين الأكثر أهمية في الإقليم جزءاً من معادلة واحدة. وهذه المعادلة لا تهدد صادرات النفط أو حركة التجارة فحسب، بل تعيد تعريف مفهوم الأمن الإقليمي نفسه في هذا السياق تبرز قيمة الأردن في المعادلة الجديدة. فقد أثبتت الحرب الأخيرة، أكثر من أي وقت مضى، أن الأمن الأردني والخليجي مترابطان بصورة يصعب الفصل بينهما. فالأردن ليس مجرد عمق جغرافي للخليج، بل أصبح جزءاً من منظومته الأمنية، سواء بحكم موقعه، أو قدراته العسكرية والأمنية، أو دوره في حماية الاستقرار الإقليمي. وفي المقابل، لم يعد استقرار الخليج بالنسبة للأردن مجرد مصلحة اقتصادية، بل أصبح ركناً أساسياً من أركان أمنه الوطني. ومن هنا فإن أي تصور جديد للأمن الإقليمي سيكون ناقصاً إذا لم يكن الأردن جزءاً أصيلاً منه.
على الجهة المقابلة فإنّ الاعتراف بهذه التحولات لا يعني الدعوة إلى الانجرار نحو مواجهة مع إيران. فالحياد الذي تبنته دول الخليج والأردن خلال الحرب الأخيرة كان خياراً واقعياً ومسؤولاً، وجنّب المنطقة أثماناً أكبر بكثير من تلك التي دفعتها اقتصادياً. غير أن المحافظة على هذا النهج لا ينبغي أن تتحول إلى الاكتفاء بانتظار ما تقرره القوى الأخرى. فالفرق كبير بين الحياد وبين الغياب عن صناعة الترتيبات الجديدة.
هنا تكمن المهمة الأصعب. فالمطلوب ليس بناء محور عسكري جديد، وإنما بلورة موقف سياسي واستراتيجي مستقل، ينطلق من المصالح القومية المشتركة للأردن ودول الخليج، ويتعامل مع واشنطن وطهران بوصفهما طرفين يجب الحوار معهما، لا الارتهان لأي منهما. فمستقبل مضيق هرمز وباب المندب ليس قضية أميركية – إيرانية خالصة، بل قضية عربية في المقام الأول، لأن كلفة أي تفاهم أو أي انهيار ستقع على هذه الدول قبل غيرها.
هذه الاستقلالية تقتضي رؤية متوازنة لمصادر التهديد. فإذا كانت السياسات الإيرانية في هرمز وباب المندب تمثل تحدياً مباشراً للأمن العربي، فإن المشروع الذي يقوده بنيامين نتنياهو لإعادة تشكيل الإقليم عبر الهيمنة الإقليمية والتسيد الأمني والسياسي لا يقل خطورة على المدى الاستراتيجي، والانحياز الكامل إلى أحد المشروعين لن ينتج أمناً عربياً، بل سيكرس تبعية جديدة لطرف على حساب آخر.
التحدي الحقيقي لا يتمثل في كيفية التعامل مع التصعيد الراهن فحسب، بل في امتلاك رؤية مستقلة قبل أن تتشكل التسوية المقبلة، لأن أي تفاهم أميركي – إيراني، أو أي إعادة هندسة إسرائيلية للإقليم، إذا جرت في غياب موقف عربي فاعل، فلن تكون إلا تسوية جديدة تُكتب مرة أخرى على حساب المنطقة، وربما هذه التطورات جميعاً تدفع إلى تسريع تشكّل المحور الجديد العربي – الإسلامي (السعودي، التركي، الباكستاني والأردني والسوري..) ليؤطر مصالح هذه الدول ويجلس على الطاولة لمناقشة مستقبل المنطقة، بدلاً من أن يناقش مستقبله من الآخرين!.
