بقلم رلى عبدالقادر الذهيبي –
تهب على أزقة هذا العالم رياحٌ باردة، لا تحمل عبير المطر ولا شذى الزهور، بل تنثر سمومًا خفية تُعرف بـ خطاب الكراهية. نلتفت حولنا فنرى النيران تلتهم ما تبقى من دفء العلاقات الإنسانية، ونقف مذهولين نتساءل:
ماذا جرى؟ ولماذا؟
هل هناك أيادٍ خفية تحرك الخيوط من وراء الستار؟ أيادٍ لا همّ لها سوى زرع الفرقة وإشعال الخلاف، لتبقى عروشها ثابتة على أنقاض الشعوب؟ يغذّون فينا الأوهام، ويحوّلون الأخ إلى خصم، والجار إلى عدو، ليضمنوا استمرار خوف الخائفين، وضياع التائهين.
لكن، إذا كانت تلك الأيدي تمارس لعبتها الخبيثة، فأين عقولنا نحن؟ أين بصيرتنا؟ وأين قدرتنا على التمييز بين الحقيقة والتضليل؟
إن الفاجعة الحقيقية لا تكمن في الجهل، بل في أن غالبية الناس اليوم متعلمون ومثقفون، يحملون الشهادات ويتقنون اللغات، ومع ذلك ينجرف كثير منهم بسهولة خلف أمواج الحقد والتحريض. فكيف تعجز سنوات من العلم والمعرفة أمام منشور غاضب أو مقطع فيديو مليء بالكراهية؟ وكيف يغيب العقل والضمير في لحظة انفعال، ليصبح الإنسان مجرد صدى لأصوات لا تريد له ولا لمجتمعه خيرًا؟
ألا يخجل أولئك الذين يطلّون علينا عبر الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، ينفثون سمومهم ويزرعون الأحقاد، وكأنهم وحدهم يملكون الحقيقة؟ أما يكفيهم ما أُريق من دماء، وما ذُرف من دموع، وما تهدّم من أوطان؟
ومن المستفيد من كل هذا؟
لا أحد… سوى الخراب.
لقد غفل الكثيرون عن حقيقة لا تقبل الجدل: أننا جميعًا راحلون. سيأتي يوم يفرد فيه كل إنسان جناحيه نحو الرحيل، ويُوارى وحيدًا في قبرٍ ضيق، لا ينفعه فيه جاه، ولا منصب، ولا طائفة، ولا شهرة، ولا تصفيق.
هناك… لن يبقى إلا ما قدمته أيدينا من خير أو شر.
انتبهوا… أفيقوا… فكّروا.
إن الحب هو القوة الوحيدة القادرة على البناء، أما الكراهية فلا تُنبت إلا الرماد، ولا تُخلّف إلا الألم والانقسام.
فلنعلّم أبناءنا أن الإنسان لا يُقاس بلونه، ولا بدينه، ولا بطائفته، ولا بوطنه، ولا بأفكاره، ما دام يحترم إنسانية الآخرين ولا يؤذيهم. فالتنوع ليس سببًا للصراع، بل هو أجمل ما يزيّن هذه الأرض، إذا جمعنا الاحترام، وأظلّتنا الإنسانية.
فلنتحد جميعًا، ولنرفع أصواتنا بثبات:
لا للكراهية… نعم للمحبة، نعم للتسامح، نعم للإنسانية.
ولنكرّس طاقاتنا لبناء أوطاننا، وغرس قيم الخير في مجتمعاتنا، وأن نكون دعاة وعي لا وقودًا للفتنة. ولتكن إنسانيتنا هي البوصلة التي لا تخطئ الطريق، والقيمة التي تجمعنا مهما اختلفت هوياتنا وانتماءاتنا.
فما يبقى في نهاية المطاف ليس ما اختلفنا عليه، بل ما صنعناه معًا من خير، وما تركناه في قلوب الناس من أثرٍ جميل.
