عروبة الإخباري –
في زمنٍ تُختزل فيه الجامعة أحيانًا إلى قاعاتٍ صامتة وملفاتٍ جامدة، تأتي لحظة واحدة لتفجر الحقيقة الكبرى: أن التعليم ليس وظيفة، وأن الأستاذ ليس صوتًا يمرّ فوق المنابر، بل روحٌ تترك أثرها، ويدٌ تشعل في العقول نار السؤال، وقلبٌ يصنع من المعرفة حياة.
فهناك صور لا تُلتقط بالكاميرا فقط، بل تُنتزع من عمق المعنى، هي صور تحمل في تفاصيلها ثورة هادئة على كل أشكال الجفاف، وتعلن أن العلاقة بين الأستاذ وطلابه ليست علاقة عابرة بين مُلقّن ومتلقٍ، بل عهدٌ من الفكر والإنسانية والوفاء.
وصورة الأستاذة الدكتورة سناء الشعلان، مع طلبتها تأتي كصرخة جميلة في وجه زمنٍ يحاول تحويل العلم إلى أرقام، والثقافة إلى أوراق، والإنسان إلى ملف، إنها صورة تقول إن الكلمة ما زالت قادرة على جمع القلوب، وإن الأدب ما زال قادرًا على صناعة الجسور، وإن المعلم الحقيقي لا يزرع المعلومات فقط… بل يزرع الحياة.
وحين كتبت الدكتورة سناء الشعلان تعليقها المضيء: “الصيف الذي يغدو عليلًا جميلًا بوجود طلبتي الأحباء”، لم تكن تكتب تعليقًا عابرًا على صورة، بل كانت ترسم فلسفة كاملة في معنى التعليم. وكأنها في ذلك تقول إن أجمل الفصول ليست تلك التي تحددها حركة الفصول الأربعة، بل تلك التي يصنعها حضور الأرواح الجميلة، وإن أروع ما يملكه الأستاذ هو أن يرى في طلابه امتدادًا لرسالته وحلمًا يستمر بعد انتهاء المحاضرة.
إنها ليست مجرد أستاذة تقف أمام طلابها لتشرح نصًا أو تحلل قصيدة؛ إنها نموذج للمثقف الذي يؤمن بأن الأدب ليس زينة لغوية، بل قوة وعي، وأن الحرف ليس حبرًا على ورق، بل مسؤولية تجاه الإنسان والمجتمع والتاريخ.
فالأدب الحقيقي لا يعيش في الكتب المغلقة، بل في العقول التي تشتعل به، وفي النفوس التي تتغير بفضله. ومن هنا تأتي قيمة الأستاذة سناء الشعلان؛ فهي لا تقدم لطلابها المعرفة بوصفها معلومات محفوظة، بل تمنحهم مفاتيح التفكير، وتدفعهم إلى اكتشاف جمال اللغة وعمق الأسئلة التي يحملها الإنسان في رحلته.
في زمنٍ يهدد فيه الجفافُ الروحي أجمل العلاقات الإنسانية، تأتي هذه الصورة لتعيد الاعتبار للجامعة بوصفها بيتًا للفكر والحوار، وللأستاذ بوصفه صانع أثر لا مجرد ناقل معرفة. فالأستاذ الحقيقي لا يُقاس بعدد المحاضرات التي ألقاها، بل بعدد العقول التي فتح لها الطريق، والقلوب التي منحها الثقة، والأحلام التي ساهم في ولادتها.
إن صورة الدكتورة سناء الشعلان مع طلبتها ليست صورة جماعية عابرة؛ إنها بيان ثقافي وإنساني يقول إن التعليم حين يُبنى على المحبة والاحترام يصبح قوة تغيير، وإن العلاقة بين الأستاذ والطالب يمكن أن تكون واحدة من أجمل العلاقات التي تصنعها الحياة.
هنا يصبح الأدب موقفًا، والتعليم رسالة، والجامعة مساحةً للمقاومة ضد القبح واللامبالاة. هنا يظهر الفرق بين من يدرّس النصوص، ومن يجعل النصوص تنبض بالحياة؛ بين من يؤدي مهمة، ومن يحمل رسالة.
فالصيف قد يكون طويلًا وثقيلًا، لكن حضور الطلبة الأحباء يجعل منه فصلًا عليلًا جميلًا. لأن أجمل ما يتركه الأستاذ خلفه ليس كتابًا فقط، ولا شهادة فقط، بل أثرًا يسكن الذاكرة.
هذه ليست صورة مع طلاب…
إنها صورة لانتصار المعنى.
صورة تؤكد أن الكلمة حين يحملها المخلصون تصبح نورًا، وأن الأستاذ الذي يزرع في طلابه الشغف يكتب اسمه في مستقبلهم قبل أن يُكتب في سجلات التاريخ.



