ليست كل مادة صحفية خبرًا، وليست كل مقابلة تقريرًا، فهناك أعمال تتجاوز حدود المهنة لتغدو وثائق للتاريخ، وشهادات تحفظ ذاكرة الشعوب، وتعيد تقديم الأحداث بميزان الحقيقة وسمو الرسالة. وهذا ما أنجزته باقتدار الدكتورة ميساء عبد الخالق في تقريرها البديع لوكالة الأنباء القطرية (قنا) بعنوان: “مسؤولون لبنانيون يشيدون بمآثر سمو الأمير الوالد ويؤكدون أن إرثه سيبقى حاضرًا في وجدان اللبنانيين”.
لقد أثبتت ميساء عبد الخالق، مرة أخرى، أنها ليست مجرد صحفية تنقل الوقائع، بل إعلامية تمتلك حس المؤرخ، وبصيرة الباحث، وبلاغة الكاتب، وحرفية المحرر. فبقلمها الرصين، تحولت التصريحات إلى شهادة تاريخية، وتحوّل الخبر إلى لوحة وطنية وإنسانية نابضة بالوفاء، رسمتها بأعلى درجات الاحتراف، بعيدًا عن الإنشاء، وقريبةً من الحقيقة التي نطقت بها شخصيات لبنانية تمثل مختلف المدارس والاتجاهات السياسية.
إن القيمة الحقيقية لهذا التقرير لا تكمن في غزارة المعلومات فحسب، وإنما في قدرته الفائقة على جمع أصوات متباينة في الرؤية السياسية، لكنها اجتمعت بإجماع نادر على الإشادة بالمغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، واستحضار مواقفه التي تجاوزت حدود السياسة إلى فضاءات الإنسانية والعروبة والمسؤولية التاريخية. وهنا تتجلى براعة الكاتبة؛ إذ تركت الوقائع تتحدث، والشهادات تنطق، والتاريخ يشهد، فجاء التقرير أكثر إقناعًا وتأثيرًا من أي خطاب إنشائي.
لقد نسجت الدكتورة ميساء عبد الخالق تقريرها بخيطٍ من الدقة، وآخر من العمق، وثالث من الوعي السياسي، لتقدم عملاً صحفيًا متكامل الأركان، يُقرأ بوصفه مادة إخبارية، ويُحتفى به بوصفه وثيقةً توثق واحدة من أنصع صفحات العلاقات القطرية اللبنانية، وتستحضر مرحلة كان فيها سمو الأمير الوالد حاضرًا في قلب الأحداث العربية الكبرى، قائدًا حمل مشروع النهضة في وطنه، ورسالة الوفاء والعطاء تجاه أمته.
وفي متن التقرير، تتوالى شهادات المسؤولين اللبنانيين، من وزراء ونواب وشخصيات وطنية، لتشكل سيمفونية وفاء نادرة، تستعيد بإجلال النهضة الكبرى التي شهدتها دولة قطر في عهد سمو الأمير الوالد، والتي نقلتها من دولة واعدة إلى قوة إقليمية ودولية يحسب لها الحساب، ليس بفضل ثروتها فحسب، بل بحكمة قيادتها، ورؤيتها الاستراتيجية، ودبلوماسيتها التي جعلت من الحوار لغة، ومن الوساطة نهجًا، ومن السلام رسالة.
كما أعاد التقرير إلى الذاكرة محطات ستظل محفورة في وجدان اللبنانيين، وفي مقدمتها الوقفة التاريخية لدولة قطر عقب العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، حين لم تكتفِ بالتضامن السياسي، بل سارعت إلى إعادة إعمار القرى والبلدات الجنوبية التي طالها الدمار، في موقف جسّد أسمى معاني الأخوة العربية، حتى ارتفعت يومها أصوات اللبنانيين مرددة: “شكراً قطر”، تعبيرًا عن عرفان لن يمحوه الزمن.
ولم يغفل التقرير المحطة الأبرز في التاريخ اللبناني الحديث، وهي رعاية سمو الأمير الوالد لاتفاق الدوحة عام 2008، ذلك الاتفاق الذي نجح في انتشال لبنان من واحدة من أعقد أزماته السياسية، وأعاد الحياة إلى مؤسساته الدستورية، ورسّخ الأمن والاستقرار، ليبقى شاهدًا على مدرسة قطرية في إدارة الأزمات، قوامها الحوار، والاحترام، وتقريب وجهات النظر، بعيدًا عن الإملاءات أو المصالح الضيقة.
وتبرز عبقرية الدكتورة ميساء عبد الخالق في أنها لم تقدم هذه الوقائع على هيئة سرد تقليدي، بل رتبتها بعناية، وأحسنت اختيار مصادرها، وتدرجت في بناء النص بما يحافظ على تماسكه، ويمنح القارئ رحلة معرفية متكاملة، تتنقل بين السياسة والتاريخ والإنسانية دون أن تفقد خيطها التحريري المتين. وهي سمة لا يجيدها إلا أصحاب الخبرة العميقة والرؤية الإعلامية الناضجة.
لقد استطاعت أن تجمع في تقرير واحد شهادات شخصيات تنتمي إلى مدارس سياسية متباينة، لكنها خرجت جميعًا لتؤكد أن الأمير الوالد لم يكن حاضرًا في لبنان بصفته قائدًا لدولة شقيقة فحسب، بل باعتباره رجل دولة آمن بأن استقرار لبنان جزء من استقرار المنطقة، وأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الحجر، وأن السلام الحقيقي يبدأ بالحوار وينتهي بالتنمية.
وهنا تتجلى قيمة العمل الصحفي الحقيقي؛ فالإعلامي المبدع لا يكتب ليملأ مساحة، ولا يجمع التصريحات ليؤدي واجبًا مهنيًا، وإنما يكتب ليصنع أثرًا، ويوثق مرحلة، ويحفظ ذاكرة، وهو ما نجحت فيه الدكتورة ميساء عبد الخالق بكل اقتدار، مقدمةً نموذجًا مشرّفًا للصحافة العربية الرصينة، التي تحترم عقل القارئ، وتؤمن بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تكون شاهدًا على العصر.
إن تقريرها ليس مجرد إنجاز صحفي، بل هو وثيقة إعلامية ستبقى مرجعًا لكل من يريد أن يستحضر الدور التاريخي لدولة قطر، ومآثر المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، كما يراها اللبنانيون أنفسهم، لا من خلال التحليل أو الانطباع، وإنما عبر شهادات مباشرة نطقت بالوفاء، وكتبت بحروف الامتنان.
كل التحية والتقدير للدكتورة ميساء عبد الخالق، التي أثبتت بهذا العمل أن الصحافة عندما تسكنها المهنية، ويقودها الوعي، وتتزين ببلاغة الكلمة، تتحول إلى ذاكرة للأوطان، وسجل خالد للمواقف العظيمة، ورسالة وفاء تليق بالقادة الذين تصنع مواقفهم التاريخ، وبالإعلاميين الذين يحسنون كتابة ذلك التاريخ بأمانة واقتدار.
