هناك مسؤولون يجلسون خلف مكاتبهم الفخمة، تحيط بهم السكرتاريا، وتفصلهم عن الناس أبواب مغلقة ومواعيد مؤجلة.
وهناك مسؤولون آخرون يدركون أن قيمة المنصب لا تكمن في الكرسي، بل في مقدار ما يقدمه صاحبه للمواطن. وبين النموذجين، تصنع المؤسسات سمعتها، ويصدر المواطن حكمه دون حاجة إلى تقارير أو مؤشرات.
في زيارتي لإدارة التقاعد في المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، خرجت بانطباع يستحق أن يُكتب. فما شاهدته، من وجهة نظري، يقدم نموذجًا مختلفًا في الإدارة والخدمة العامة، يتجسد في أداء الدكتور ليث المبيضين، مدير إدارة التقاعد.
لم يكن الرجل، بحسب ما رأيت، مديرًا ينتظر أن تُرفع إليه الملفات، بل مسؤولًا حاضرًا بين المراجعين، يتابع العمل ميدانيًا، يستمع، يوجه، ويتدخل عندما تستدعي الحاجة. مكتبه لم يكن حاجزًا بينه وبين المواطنين، بل محطة مفتوحة لمن يحتاج إلى حل أو توضيح أو إنصاف.
هذه ليست تفاصيل عابرة، بل ثقافة إدارية نفتقدها في كثير من المؤسسات. فالمراجع لا يبحث عن المجاملة، وإنما عن مسؤول يسمعه، ويحترم وقته، ويتعامل مع قضيته باعتبارها أولوية إنسانية قبل أن تكون معاملة إدارية.
وحين تكون القيادة بهذا القرب من الناس، فإن أثرها ينعكس على الفريق بأكمله. وهذا ما لمسته أيضًا في أداء الفاضلة نسرين محمد محمود الصوص على كاونتر خدمة المراجعين.
قد يظن البعض أن الوقوف خلف كاونتر الاستقبال وظيفة روتينية، لكنها في الحقيقة تمثل الواجهة الحقيقية للمؤسسة. ومن خلال تعاملي ومشاهدتي، وجدت موظفة تستقبل الجميع بابتسامة صادقة، وتتحلى بالصبر والاحترام، وتبذل جهدًا واضحًا في إرشاد المراجعين ومساعدتهم، مهما كان ضغط العمل أو كثرة المراجعين.
إن الأخلاق الوظيفية ليست بندًا في نظام الخدمة المدنية، بل هي ثقافة وقناعة. والابتسامة ليست إجراءً إداريًا، بل رسالة احترام. والإخلاص في العمل لا يحتاج إلى كاميرات أو تصفيق، لأنه يظهر في تفاصيل التعامل اليومي مع الناس.
ليس الهدف من هذه الكلمات صناعة أبطال، ولا توزيع شهادات تقدير، وإنما إنصاف نماذج أرى أنها تستحق الذكر. ففي زمن يكثر فيه النقد للمؤسسات العامة، من الواجب أيضًا أن نُبرز التجارب الإيجابية، لأنها تمنح الأمل، وتشجع على ترسيخ ثقافة التميز.
تحية تقدير للدكتور ليث المبيضين على ما لمسته من قيادة ميدانية، وقرب من المراجعين، وحرص على متابعة العمل. وتحية تقدير للفاضلة نسرين محمد محمود الصوص على ما أظهرته، في حدود تجربتي، من حسن استقبال، ورقي في التعامل، وإخلاص في خدمة المراجعين.
فالمؤسسات لا يخلدها الإسمنت ولا الزجاج، بل يخلدها رجال ونساء يؤمنون بأن خدمة المواطن ليست واجبًا وظيفيًا فحسب، بل مسؤولية وطنية وأمانة أخلاقية. وعندما يجتمع المدير القريب من الناس مع الموظف الذي يجعل الاحترام عنوانًا لعمله، فإن المؤسسة لا تقدم خدمة فقط، بل تبني ثقة، والثقة هي أعظم إنجاز يمكن لأي مؤسسة أن تحققه.
301
