في زمنٍ صار فيه الضوء سريعًا حدّ الذوبان، والكلمات كثيرة حدّ الضجيج، يبرز بعض الحضور كأنّه استثناء كونيّ لا يخضع لقواعد العابر ولا لإيقاع الاستهلاك. من هذا النوع تحديدًا يأتي اختيار الإعلامية الدكتورة والكاتبة عبير العربي لعضوية لجنة تحكيم أولى حلقات برنامج “نجوم لبكرة”… اختيار لا يُقرأ بوصفه خبرًا إعلاميًا، بل يُفهم كبيان احترام للفكرة قبل أن تولد، وللموهبة قبل أن تنطق، وللمستقبل وهو ما يزال في طور التشكل.
إنها ليست مجرد مقعد في لجنة، بل مساحة تتبدّل فيها معاني الحكم، وتُعاد فيها صياغة علاقة الإنسان بالإبداع. فحين تحضر عبير العربي، لا يحضر الاسم بوصفه توقيعًا على ورقة تقييم، بل بوصفه عقلًا يقرأ ما بين النبضات، وروحًا تُصغي لما لم يكتمل بعد في صوت الموهبة، ووعيًا يعرف أن الفن الحقيقي لا يُقاس بالانطباع السريع، بل بالعمق الذي يترك أثرًا بعد انتهاء العرض.
في هذا السياق، يبدو برنامج “نجوم لبكرة” وكأنه اختار أن يبدأ من النقطة الأصعب والأجمل معًا: أن يمنح الحلم أدوات التهذيب لا الترويض، وأن يضع المواهب أمام مرآة لا تكسرها بل تكشفها. وهنا تحديدًا تتجلى قيمة هذا الاختيار، إذ لا يمكن لمشروعٍ يبحث عن نجوم الغد أن يكتفي بعيونٍ عابرة، بل يحتاج إلى بصائر تعرف الفرق بين الوهج الذي يخطف، والضوء الذي يبقى.
وحين تُذكر عبير العربي في هذا المقام، فإن الحديث لا يدور عن حضورٍ إعلامي فحسب، بل عن شخصية تتقاطع فيها الصرامة الفكرية مع الحس الإنساني، والعين النقدية مع القلب الذي يفهم هشاشة البداية. إنها ليست جهة حكم تقليدية، بل حالة وعي تُعيد تعريف التحكيم نفسه: من سلطة إصدار قرار إلى مسؤولية صناعة مسار، ومن تقييم لحظي إلى بناء أثر طويل المدى في ذاكرة الموهبة.
هكذا يصبح وجودها في لجنة التحكيم بمثابة “ميزان مختلف”؛ لا يزن الأداء فقط، بل يزن الإمكانات الكامنة خلفه، ويقرأ ما يمكن أن يصبح عليه صاحب الموهبة لا ما هو عليه فقط في لحظته الأولى. وهذا في حد ذاته يرتقي بالبرنامج من مساحة عرض إلى مساحة تشكيل، ومن منصة اكتشاف إلى ورشة لصناعة المستقبل.
إن “نجوم لبكرة” في هذه الصيغة لا يبدو برنامجًا عابرًا، بل مشروعًا يختبر معنى أن يكون الفن مسؤولية، وأن يكون الاكتشاف فعل وعي لا مجرد تصفيق. ومع وجود أسماء تمتلك هذا العمق، يتحوّل كل أداء إلى سؤال، وكل موهبة إلى احتمال، وكل لحظة على المسرح إلى بداية حكاية قد تمتد طويلًا في الذاكرة.
ولعلّ أجمل ما في هذا الاختيار أنه لا يمنح البرنامج فقط قيمة إضافية، بل يعكس تحولًا أوسع في فهمنا لدور الإعلامي والمثقف: ليس كناقل للصورة، بل كصانع لمعناها؛ ليس كمراقب من الخارج، بل كشريك في بناء الداخل؛ ليس كمعلّق على التجربة، بل كجزء من تكوينها.
وهكذا، حين يُكتب عن هذا الانضمام، لا يُكتب عن لجنة تحكيم فحسب، بل عن لحظة ارتقاء في الذائقة الإعلامية، وعن محاولة واعية لرفع سقف السؤال: كيف نصنع نجمًا لا يلمع فقط، بل يستمر؟
إنه اختيار يضع البرنامج على عتبة مختلفة، ويمنح المشهد كله إشارة واضحة: أن الطريق إلى النجومية لا يبدأ بالضوء، بل يبدأ بمن يعرف كيف يُهذّب الضوء… ويمنحه معنى.
