عروبة الإخباري – كتبت الإعلامية الدكتورة عبير العربي –
في واحدة من أكثر الليالي اشتعالاً في تاريخ الكرة العربية، خطف منتخب مصر الأضواء العالمية بعدما حجز مقعده في الدور الثاني من كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، في إنجاز يتجاوز حدود الرياضة ليصبح قصة وطن وأمة وإرادة لا تنكسر.
لم يكن الطريق مفروشاً بالورود، بل كان مليئاً بالضغط، والشكوك، والخصوم الأقوياء، لكن الفراعنة دخلوا المعركة بعقلية مختلفة هذه المرة: عقلية الفريق الذي لا يشارك ليكمل العدد، بل ليصنع أثراً ويبقى في الذاكرة.
منذ اللحظة الأولى أمام إيران، ظهر المنتخب المصري بشخصية لا تشبه الماضي. هدف مبكر من محمود صابر لم يكن مجرد كرة سكنت الشباك، بل كان إعلاناً صريحاً بأن هذا الجيل جاء ليكسر القواعد ويعيد كتابة التاريخ. تسديدة ارتدت من الحارس ثم انفجرت في المرمى كانت كأنها شرارة بدأت بعدها مباراة من نوع آخر، مباراة لا تُلعب فقط بالقدم، بل بالقلب.
ثم جاءت اللحظة التي تختصر معنى البطولة: ركلة جزاء لإيران، ضغط نفسي هائل، لحظة يمكن أن تغيّر مصير مجموعة كاملة… لكن مصطفى شوبير وقف كالأسد، يقرأ النوايا، وينقذ منتخباً كاملاً من الانكسار. تلك ليست تصدياً عادياً، بل لحظة تحوّل فيها لاعب إلى رمز، وتحول فيها الخوف إلى ثقة.
إيران عادت للتعادل، واشتعلت المباراة، وضغطت الدقائق على الأعصاب، لكن مصر لم تتراجع. لم تنهار. لم تفقد هويتها. بل صمدت كما تصمد الفرق الكبيرة حين تختبرها اللحظات الصعبة.
وحين أطلق الحكم صافرة النهاية، لم يكن الأمر مجرد تعادل 1-1، بل كان إعلان عبور رسمي إلى مرحلة جديدة: خمس نقاط كاملة، مركز متقدم، وتأهل تاريخي يضع مصر بين كبار العالم في البطولة.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز لا تُقاس بالنقاط وحدها. إنها تُقاس بما صنعه هذا المنتخب من إحساس جديد لدى كل مشجع عربي: أن الوصول إلى القمة ليس حلماً بعيداً، بل هدفاً يمكن لمسه إذا اجتمع الإصرار مع الشجاعة.
هذا التأهل ليس مصرياً فقط، بل هو عربي الهوية، لأن كل مشجع في المنطقة يرى فيه انعكاساً لحلم مؤجل، وإثباتاً أن كرة القدم العربية قادرة على الوقوف أمام المدارس الكبرى دون خوف.
اليوم، مصر لا تحتفل فقط بعبور دور، بل تحتفل بولادة جيل جديد من الثقة. جيل يقول للعالم: نحن لا ننتظر الفرص… نحن نصنعها.
الفراعنة عادوا إلى الواجهة، لكن هذه المرة ليس كمشاركين… بل كمنافسين حقيقيين.
وهكذا، تُغلق صفحة، وتُفتح أخرى أكثر جرأة، عنوانها واضح:
مصر لا تلعب في المونديال… مصر تصنعه.
