ما كتبته الإعلامية الدكتورة علا القنطار في مقالها «الامتحان تحت النار… مَن يحاسب أصحاب القرار؟» لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تعليق صحفي على واقعة أمنية مرتبطة بالامتحانات، بل هو نصّ يندرج في خانة “المرافعة الأخلاقية” التي تضع الدولة أمام مرآة حادّة لا تسمح بالمراوغة ولا تقبل التبرير.
القوة الحقيقية في هذا المقال لا تكمن فقط في جرأة السؤال، بل في الطريقة التي يُبنى بها السؤال نفسه: من خبرٍ ميدانيّ صادم، إلى مساءلة سياسية، إلى محاكمة أخلاقية كاملة لمنطق القرار. هذا التدرّج ليس عفويًا، بل يعكس وعيًا صحفيًا يُدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث في لحظات الأزمات هو التطبيع مع الخطر وتحويل الاستثناء إلى “روتين إداري”.
وحين تُصاغ الفكرة المركزية حول امتحانات تُجرى فيما الغارات قريبة من محيط المدارس، فإن النص لا يتعامل مع الحدث كاستثناء عابر، بل كعلامة على خلل أعمق: خلل في ترتيب الأولويات داخل منظومة القرار. وهنا تحديدًا، ينتقل المقال من دائرة العاطفة المشروعة إلى دائرة التحليل السياسي، حيث يصبح السؤال ليس فقط “لماذا حصل ذلك؟” بل “كيف وصلت الدولة إلى لحظة يصبح فيها ذلك مقبولًا أصلًا؟”.
اللغة في المقال مشدودة بعناية بين حرارة الموقف ودقة التعبير. لا انفعال مجاني، ولا برود تقريري. بل توتر محسوب يُبقي القارئ في حالة وعي دائم بأن ما يُقرأ ليس حادثة معزولة، بل نموذج قابل للتكرار إن لم تتم مساءلته. هذه المعادلة الصعبة بين التأثير والانضباط هي ما يمنح النص ثقله المهني.
الأكثر أهمية أن الكاتبة لا تقع في فخّ تحويل الطلاب إلى رموز عاطفية فقط، بل تُعيدهم إلى مركز المعادلة بوصفهم أصحاب حقّ أصيل: حق في بيئة آمنة، في امتحان لا يُجرى تحت التهديد، وفي دولة لا تختبر قدرتهم على التحمل بقدر ما تختبر مسؤوليتها هي في حمايتهم. هذا التحول من “الضحايا” إلى “أصحاب حق” هو جوهر النضج في الطرح.
ثم تأتي ذروة النص في تفكيك فكرة التبرير الإداري أو التقني. فالمسألة، كما يقدّمها المقال بوضوح لافت، ليست جدولًا يمكن تعديله أو يومًا يمكن تأجيله، بل قرار يمسّ جوهر العلاقة بين المواطن والدولة: من يُحاسب من؟ ومن يقرر أن المخاطر “مقبولة” عندما يكون الثمن أرواحًا محتملة؟
وهنا بالضبط يكتسب النص طابعه “الناري” الحقيقي، لا من لغة الغضب، بل من صرامة السؤال. فالأكثر إدانة في الخطاب ليس الاتهام المباشر، بل ترك الأسئلة معلّقة بلا قدرة لدى أي طرف على الإجابة دون تحمّل مسؤولية ثقيلة.
كما ينجح المقال في كسر آلية مألوفة في إدارة الأزمات، وهي تحويل الأحداث الكبرى إلى جدل إعلامي سريع ثم طيّها تحت ضغط الوقت. النص يقاوم هذا المسار عبر تثبيت مطلب واضح: تحقيق، شفافية، ومساءلة. ليس بوصفها شعارات، بل بوصفها الحد الأدنى لأي معنى للدولة.
في المحصلة، هذا المقال ليس فقط شهادة على لحظة قاسية، بل محاولة لإعادة تعريف ما يجب أن يكون عليه القرار العام عندما يتقاطع التعليم مع الخطر، والمواطنة مع المسؤولية، والدولة مع حياة الناس اليومية. إنه نص يذكّر بأن أخطر ما في الأزمات ليس ما يحدث فيها، بل ما يتم قبوله خلالها بصمت.
