لاحقاً لما استعرضتُه في مقالين سابقين تفكيكاً لظاهرة #نظام_الطيبات حيث كان الأول بعنوان “حمية الطيبات أم حمية المتناقضات؟ معركة الدفاع عن الوعي والأمن الغذائي العربي”، وتبعه الثاني بعنوان “شو بدو يخلصنا من العوضي… منسفنا وتشعاتشيلنا باتت أسلحة دمار شامل”، يجيء هذا المقال الثالث ليكون تفنيداً علمياً بحتاً وصارماً لادعاءات وهرطقات العوضي الحيوية، والتي أشكلت على البسطاء وتسللت إلى عقولهم؛ إذ دفعني إلى كتابة هذا الفصل الحاسم مشاهدة فيديو صدمَني بما يحمله من خروج سافر على المنطق العلمي وخاصة في الفسيولوجيا والفيزياء. وكلما تعمق العقل الراسخ في تفكيك بنية هذا الخطاب العوضي، يكتشف أننا لسنا أمام مجرد اجتهاد غذائي خاطئ، بل أمام أُميّة بيولوجية مقصودة وعملية تضليل ممنهجة تقلب بديهيات علم وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا) رأساً على عقب، وتخترع كيمياء حيوية ممسوخة لا توجد إلا في الفيديوهات الرقمية التي استُخدمت لغسيل عقول البسطاء وبعض المأزومين من حملة الشهادات!
ولعل قمة هذا الهذيان تظهر في ادعاءات هذا المنهج حول آلية عمل الأنسولين والسكر في جسم الإنسان؛ حيث يزعم #العوضي أن السكر يرتفع في الدم بعد الأكل ليس بسبب الوجبة التي تناولتها، بل لأن الأنسولين يحفز الكبد لإنتاج سكر جديد! إن هذا الابتداع يمثل ردة معرفية مضحكة وعكساً كاملاً للواقع العلمي؛ فارتفاع السكر بعد الوجبات يحدث ببساطة نتيجة هضم الكربوهيدرات وامتصاصها؛ ورغم أن هناك امتصاصاً فموياً محدوداً جداً لبعض السكريات البسيطة عبر الأغشية المخاطية في الفم ــ تماماً كما يحدث عند امتصاص بعض الأدوية النوعية تحت اللسان ــ إلا أن المسار الرئيسي والفعلي لامتصاص السكريات الغذائية ينطلق حتماً من الأمعاء الدقيقة إلى مجرى الدم. وفي هذه اللحظة بالذات، يفرز البنكرياس الأنسولين ليقوم بالدور المعاكس تماماً، وهو التثبيط الشديد لعملية إنتاج السكر الكبدي (Gluconeogenesis) وتكسير الجلايكوجين، إذ إن الكبد لا ينشط في تصنيع الجلوكوز وضخه إلا في حالات الجوع والصيام لحماية الدماغ من الهبوط، وليس بعد الأكل أبداً، فكيف يتحول الكبح إلى تحفيز في عقل مرشد الطائفة العوضية؟
ولا تقف المهزلة العلمية عند هذا الحد، بل تمتد لتشريح الكبد وبواباته الحيوية؛ إذ يزعم الفيديو المضلّل أن الأنسولين يجبر الجلوكوز على الدخول إلى الكبد عبر فتح بوابات ومستقبلات تُسمى (GLUT4)، وهنا يتجلى العجب؛ إذ إن هذه الحقائق والبديهيات الفسيولوجية التي نناقشها ونشرحها لطلاب بكالوريوس التغذية في القاعات والأروقة الأكاديمية بالجامعة، كألف باء في هذا التخصص، تتعارض تماماً مع هذا الطرح الممسوخ؛ فخلايا الكبد تعتمد أساساً على مستقبلات (GLUT2) وهي بوابات تعمل بشكل مستقل تماماً عن الأنسولين، في حين أن مستقبلات (GLUT4) التي تفتح استجابة للأنسولين تتواجد فقط في العضلات الهيكلية والأنسجة الدهنية وليس في الكبد بتلك الآلية المزعومة، فالأنسولين لا يدخل السكر للكبد عبر تلك البوابات، بل يحفز الإنزيمات الداخلية لتخزينه. والأدهى والأمرّ، والذي يكشف كيف يضرب هذا الدجل قوانين الفيزياء وحفظ الكتلة والطاقة بعرض الحائط، هو الادعاء الخرافي بأن إدخال جزيء جلوكوز واحد للكبد ينتج عنه خمسة جزيئات تخرج للدم! وهي مغالطة بيولوجية وفيزيائية فجّة؛ فلا يمكن لجزيء جلوكوز واحد أن يتحول هكذا إلى خمسة جزيئات دون وجود مواد أولية وطاقة إضافية، فالقاعدة الفيزيائية تقول أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث ولكن تتحول من شكل لآخر! وعلم الكيمياء الحيوية يقرر أن الكبد يصنع الجلوكوز الجديد باستهلاك طاقة عالية (ATP) ومن ركائز أخرى غير كربوهيدراتية كالأحماض الأمينية واللاكتات والجليسرول عند الحاجة، لا بالانشطار السحري لجزيء مفرَد. أما التفسير السريالي للسكر التراكمي (HbA1c) بادعاء أن السكر المتبقي في الدم يذهب لتغذية كريات الدم الحمراء لتخزينه، فهو هرطقة علمية لم يسبقه أحد اليها؛ فالتراكمي ليس مخزناً للسكر، بل هو مجرد مقياس كيميائي لنسبة التصاق الجلوكوز بهيموجلوبين الدم نتيجة بقائه مرتفعاً لفترات طويلة، ورغم أن كريات الدم الحمراء تعتمد بالفعل على الجلوكوز كمصدر رئيسي لإنتاج طاقتها، إلا أن هذا التمثيل الغذائي اللاهوائي لا علاقة له بمفهوم وتفسير التراكمي كمؤشر سريري كما قدمه العوضي!.
ولا يتوقف تدمير النواميس البيولوجية عند حدود السكريات البسيطة، بل يمتد في هذا المنهج المضلل ليحارب شريان الحياة الأول بتزهيد الناس في شرب الماء، ودعوتهم لعدم شرب الماء إلا عند الشعور الفعلي بالعطش؛ وفي هذا الطرح جهل طبي انتحاري يتغافل عن أن الشعور بالعطش ليس مؤشراً مبكراً لحاجة الجسم، بل هو إنذار متأخر جداً يعلن أن الجسد قد دخل بالفعل في أولى مراحل الجفاف (Dehydration). إن الخطورة الكارثية لهذه النصيحة الرقمية تتبدى عند إسقاطها على الفئات الأكثر هشاشة ككبار السن؛ فالعلم الموثق يثبت أنه مع تقدم العمر تضمر وتتراجع كفاءة مستقبلات الضغط الأسموزي في الدماغ، وتقل حساسية مركز العطش في منطقة “المهاد” (Hypothalamus)، مما يعني بيولوجياً أن الشيخ الكبير قد يمر عليه اليوم واليومان وجسده يتلوى جفافاً، وخلاياه تنكمش، وكليتاه تختنقان، دون أن يصله أي عَرَض شعوري بالعطش! فإذا انتظر كبار السن تلك الإشارة المتأخرة سِيقوا سَوقاً نحو الفشل الكلوي الحاد، وارتفاع لزوجة الدم التي تؤدي حتماً إلى الجلطات والسكتات الدماغية، فضلاً عن الهذيان واختلال الأملاح الحيوية.
وهذا الرصد الفاضح يسحب ما تبقى من ورقة توت أكاديمية، حاول الأتباع ستر عورة نظام المتناقضات بها، عبر التفاخر بانتسابه الافتراضي لهيئات وجامعات دولية عريقة، ظناً منهم أن هذه الأسماء البريئة من هرطقاتهم تمنح نظامهم صك شرعية علمية يحميه من السقوط؛ والتنوير المعرفي يفرض علينا اليوم أن نمزق هذا الزيف، فصاحب النظام لم يأتِ بابتكار واحد حظي بمراجعة هيئات علمية معتبرة من الأقران، أو نُشر في مجلة علمية مصنّفة، وكل ما يتبجح به أنصاره من عضويات في الجمعيات الأمريكية والأوروبية للتغذية لا يعدو في حقيقته كونه اشتراكاً سنوياً مدفوع الثمن مسبقاً يملكه آلاف الأطباء والباحثين حول العالم لمجرد الولوج إلى المكتبات الرقمية والاطلاع على آخر الأبحاث المنشورة، تماماً كما يشترك أي هاوٍ في مجلة أو منصة رقمية. والأهم من ذلك، أن هذه الهيئات الدولية ذاتها، بخطوطها الإرشادية وبروتوكولات علمائها، ترفض وتجرّم وتنبذ كل ادعاءات هذا النظام العوضي المزعوم، وتعتبر حرمان مرضى السكري من الإنسولين أو منع الأجساد من الخضار والألياف بمثابة شروع في الانتحار البيولوجي والقتل الطبي الممنهج. إن التناقض الصارخ والهزلي في سيكولوجية هذه الطائفة العوضية الرقمية يتبدى في طريقة تعاملهم مع المنظومة العلمية؛ فهم يرفعون شعار العضوية في جمعية طبية دولية لشرعنة هرطقات مرشدهم، وفي ذات الوقت ينكرون ذات المنظومة الطبية والبحثية ويكفرون بها حين تحرّم التدخين أو تفرض أدوية الضغط والسكري وتنقذ الأطفال في الحضانات، واصمين إياها بأنها مافيا تآمرية ضد البشرية! إن المنظومة العلمية والطبية الحديثة هي بنية مؤسسية متكاملة وقائمة على الاتساق والترابط، فلا يجوز عقلاً ولا معرفة أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، ونأخذ من المؤسسة الدولية لقب العضوية لنتباهى به ثم نضرب ببحوثها وعلمها عرض الحائط لنشرعن النوتيلا والسجائر والشتائم؛ فهذا التجزؤ المعرفي هو محض نصب وتدليس يسعى للتربح من أوجاع الناس وعواطفهم.
ونختم هذا السجال بوضع ميزان الوعي الحقيقي؛ فمهما بلغت الدرجة العلمية لأي إنسان، ومهما تزين بالألقاب واحتشد خلف شاشاته مئات الآلاف من المصفقين، فإن العلم لا يُحسم ديمقراطيا، وباللايكات والتريندات بل بالمختبر والدليل القاطع، وكما قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحكمته الخالدة التي تهدم عبادة الأصنام البشرية: “الرجال تُعرف بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال”! وقال أيضا: “اعرف الحق تعرف أهله” وليس العكس! فالحق العلمي والبيولوجي ثابت راسخ تسنده الجينات وتشرّحه مجاهر المختبرات، ومن انحرف عن هذا الحق تهاوى وعيُه وسقطت هيبته ولو ملك شهادات الأرض بأكملها، ولن يصح في النهاية إلا صحيح العلم والمنطق مهما طال ليل الدجل والخزعبلات!
