في كل مرة يتعرض فيها لبنان لحرب أو دمار أو أزمة أمنية كبرى، تتكرر الرواية نفسها: تبريرات وشعارات ومواقف أيديولوجية، بينما يبقى اللبنانيون وحدهم من يدفع الثمن. البيوت التي تُهدم هي بيوت اللبنانيين، والقرى التي تُدمر هي قرى اللبنانيين، والاقتصاد الذي ينهار هو الاقتصاد اللبناني، لكن الذين يتخذون القرارات المصيرية لا يتحملون النتائج نفسها التي يتحملها المواطن العادي.
لقد تحول لبنان خلال العقود الماضية إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، وكان حزب الله الأداة الرئيسية التي كرست هذا الواقع. فبدلاً من أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية، أصبح جزء كبير من هذا القرار مرتبطاً بحسابات تتجاوز الحدود اللبنانية. وهنا تكمن المعضلة الأساسية: كيف يمكن الحديث عن سيادة دولة بينما توجد قوة عسكرية منظمة تمتلك قدرات تفوق قدرات مؤسسات الدولة في بعض المجالات، وتتخذ مواقف استراتيجية لا تخضع للإجماع الوطني؟
إن المشكلة لا تكمن في الاختلاف السياسي أو الفكري، فذلك أمر طبيعي في أي مجتمع ديمقراطي، بل في وجود واقع جعل لبنان رهينة لمعادلات إقليمية أكبر من حجمه وإمكاناته. وكلما ارتفعت حدة التوتر في المنطقة، يجد اللبناني نفسه أمام خطر حرب جديدة أو مواجهة جديدة أو عقوبات جديدة أو أزمة جديدة لا علاقة مباشرة له بها.
وعندما يقول مسؤولون إيرانيون إنهم لا يستخدمون لبنان كورقة تفاوض، فإن السؤال الذي يطرحه كثير من اللبنانيين هو: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا ارتبط اسم لبنان لعقود بالمشروع الإقليمي الإيراني؟ ولماذا يُنظر إلى حزب الله في معظم المحافل الدولية والإقليمية باعتباره الحليف العسكري والسياسي الأكثر أهمية لطهران خارج حدودها؟ ولماذا يصبح أي نقاش لبناني داخلي حول السلاح أو السيادة أو الاستراتيجية الدفاعية مرتبطاً فوراً بالموقف الإيراني؟
إن حقائق الواقع لا تُمحى بالتصريحات السياسية. فالنفوذ الإيراني في لبنان ليس سراً ولا ادعاءً إعلامياً، بل حقيقة يعترف بها مسؤولون إيرانيون أنفسهم في مناسبات عديدة عبر السنوات. ولذلك فإن مطالبة اللبنانيين بدولة مستقلة القرار ليست استهدافاً لإيران، بل دفاعاً عن حق طبيعي لأي شعب في العالم.
أما حزب الله، فقد أصبح بالنسبة لشريحة واسعة من اللبنانيين رمزاً لمعضلة الدولة المعلقة بين الشرعية الدستورية والسلطة الفعلية للسلاح. فالدولة التي لا تحتكر قرار القوة تبقى دولة ناقصة السيادة مهما كانت مؤسساتها قائمة شكلياً. ولا يمكن لأي مشروع إصلاحي أو اقتصادي أو سياسي أن ينجح بالكامل في ظل استمرار هذا الواقع.
لقد خسر لبنان فرصاً تاريخية للنمو والاستقرار بسبب حالة الصراع الدائمة. هاجر مئات الآلاف من الشباب بحثاً عن مستقبل أفضل. انهارت العملة الوطنية. تراجعت الاستثمارات. تدهورت الثقة الدولية بالدولة اللبنانية. وتعرضت مناطق واسعة لدمار متكرر نتيجة الحروب والمواجهات. وبينما كان اللبنانيون ينتظرون بناء دولة حديثة قادرة على حماية مصالحهم، وجدوا أنفسهم عالقين في دوامة المحاور الإقليمية.
ومن حق اللبنانيين أن يسألوا: ماذا كانت النتيجة النهائية لكل هذه التضحيات؟ هل أصبح لبنان أكثر استقراراً؟ هل أصبح اقتصاده أقوى؟ هل ازدادت هيبة الدولة؟ هل تحسن مستوى معيشة المواطنين؟ أم أن البلاد غرقت أكثر فأكثر في الأزمات والانقسامات والعزلة؟
إن أخطر ما في الخطاب الذي يبرر استمرار هذا الواقع هو أنه يضع أي اعتراض على سلاح حزب الله أو النفوذ الإيراني في خانة العمالة أو الخيانة أو خدمة الأعداء. وهذه معادلة غير ديمقراطية وغير عادلة. فمن حق أي لبناني أن يرفض التدخل الإيراني كما يرفض أي تدخل خارجي آخر، ومن حقه أن يطالب بحصر السلاح بيد الدولة دون أن يُتهم تلقائياً بالانحياز إلى طرف خارجي.
إن الدفاع عن سيادة لبنان لا يحتاج إلى إذن من أحد. والسيادة لا تتجزأ. فمن يرفض التدخلات الأجنبية يجب أن يرفضها كلها، ومن يطالب باحترام استقلال لبنان يجب أن يقبل بأن قرار اللبنانيين وحدهم هو المرجعية النهائية في شؤون بلدهم.
لقد آن الأوان للاعتراف بأن استمرار لبنان كساحة صراع لم يجلب له الازدهار ولا الأمن ولا الاستقرار. وآن الأوان للاعتراف بأن بناء دولة حقيقية يبدأ من مبدأ بسيط وواضح: لا سلاح خارج إطار الدولة، ولا قرار فوق قرار المؤسسات الشرعية، ولا ولاء سياسي أو عسكري يتقدم على الولاء للوطن.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات الكبرى بقدر ما يحتاج إلى دولة قوية تحمي مواطنيها وتدافع عن مصالحهم. ولا يحتاج إلى أن يكون جبهة متقدمة لأي مشروع إقليمي، بل يحتاج إلى أن يكون وطناً سيداً حراً مستقلاً، تكون فيه مصلحة اللبنانيين فوق أي اعتبار آخر.
وإذا كانت هناك رسالة يجب أن تُقال اليوم بوضوح، فهي أن اللبنانيين ليسوا وقوداً لصراعات الآخرين، وأن سيادة لبنان ليست ملكاً لأي حزب ولا لأي دولة خارجية. لبنان للبنانيين، وقرار لبنان يجب أن يبقى في بيروت لا في أي عاصمة أخرى.
