في عيده السابع والستين، لا يحتفل تلفزيون لبنان بتاريخ مؤسسة إعلامية عريقة فحسب، بل يحتفي أيضاً بكوكبة من الإعلاميين الذين صنعوا هذا التاريخ وكرّسوا حضورها الوطني في وجدان اللبنانيين والعرب، فمنذ انطلاقته، كان تلفزيون لبنان مدرسة إعلامية وطنية خرّجت أجيالاً من الإعلاميين والصحافيين الذين حملوا رسالة الكلمة الصادقة والخبر المسؤول، وأسهموا في صناعة الوعي وتوثيق محطات الوطن بكل ما حملته من أفراح وتحديات.
ومن بين هذه الأسماء اللامعة، تتصدر وتحضر بقوة المشهد الإعلامي، الإعلامية نوال الأشقر، وهي التي تشغل رئيسة تحرير الأخبار ومقدمة برنامج “لبنان اليوم”، كواحدة من أبرز الوجوه الإعلامية التي استطاعت أن تجمع بين الخبرة والاحتراف والمصداقية والالتزام، وأن تفرض حضورها بثقة واقتدار في المشهد الإعلامي اللبناني.
لقد عرفت الأشقر منذ سنوات طويلة، ولم تكن معرفتي بها مجرد علاقة مهنية عابرة أو زمالة عادية فرضتها ظروف العمل، بل كانت رحلة طويلة من الاحترام والتقدير المتبادل، اكتشفت خلالها عن قرب معدن إعلامية استثنائية تمتلك من الكفاءة والخبرة والوعي ما يجعلها في مصاف الإعلاميين الذين يُعوَّل عليهم في أصعب الظروف وأكثرها حساسية.
ومع مرور السنوات، ازداد تقديري لها يوماً بعد يوم، لما لمسته فيها من مهنية راسخة واحترافية نادرة. فهي لا تتعامل مع الإعلام بوصفه مهنة فقط، بل باعتباره رسالة ومسؤولية وطنية وأخلاقية. تدرك جيداً أن الخبر ليس مجرد معلومة تُنقل، بل أمانة يجب أن تُصان، وأن الكلمة الصادقة قد تكون في كثير من الأحيان أكثر تأثيراً من أي موقف أو قرار.
ولعل ما يميز نوال الأشقر، أكثر من أي شيء آخر، أنها كانت دائماً المرجع الموثوق بالنسبة لي عندما يتعلق الأمر بالشأن اللبناني، وهي التي لم تبخل عليّ يوماً بالمعلومة الدقيقة والصحيحة، وكانت دائماً حريصة على أن تصل الحقيقة كما هي، دون تهويل أو تضليل أو مبالغة. وفي كل مرة كنت أحتاج فيها إلى التحقق من خبر أو استيضاح معلومة أو فهم خلفية حدث يتعلق بلبنان، كنت أجد أمامي إعلامية تمتلك معرفة واسعة، وثقافة سياسية عميقة، وإحاطة دقيقة بتفاصيل المشهد اللبناني وتعقيداته.
وأقولها بكل فخر وامتنان: لقد استفدت كثيراً من نوال الأشقر كثيراً، وتعلمت من تجربتها المهنية وخبرتها الإعلامية الكثير. تعلمت منها أهمية الدقة قبل السرعة، والحقيقة قبل الإثارة، والمهنية قبل أي اعتبار آخر. وكانت بالنسبة إليّ مثالاً للإعلامية التي تحترم مهنتها وتحترم جمهورها وتحترم نفسها من خلال احترامها للحقيقة.
ورغم حجم المسؤوليات الكبيرة التي تتحملها اليوم كرئيسة لتحرير الأخبار، وما يرافق ذلك من ضغوط يومية ومتابعة حثيثة للأحداث والتطورات، إضافة إلى تقديمها البرامج السياسية والحوارية ومواكبتها الدائمة للشأن العام، بقيت كما عرفتها دائماً؛ إنسانة راقية، وزميلة أصيلة، وصاحبة قلب كبير وعقل منفتح.
فلم تكن مسؤولياتها المتزايدة يوماً سبباً للابتعاد عن زملائها أو الانشغال عنهم، بل بقيت على الدوام سنداً حقيقياً لكل من عرفها، ومحل ثقة واحترام وتقدير. كانت حاضرة عند الحاجة، سخية في تقديم المشورة، كريمة في مشاركة المعرفة والخبرة، لا تتردد في تقديم الدعم والمساندة كلما لجأت لها طالباً رأياً أو معلومة أو نصيحة.
هي من أولئك الأشخاص الذين كلما ارتفعت مكانتهم المهنية ازدادوا تواضعاً، وكلما اتسعت مسؤولياتهم ازدادوا قرباً من الناس. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تحظى بهذه المكانة المرموقة في قلوب زملائها وكل من تعامل معها، وأن تحصد هذا القدر الكبير من الاحترام الذي لا يُمنح بالمناصب، بل يُكتسب بالعمل الجاد والأخلاق الرفيعة والمواقف النبيلة.
وفي الذكرى السابعة والستين لتأسيس تلفزيون لبنان، أتوجه إلى الزميلة العزيزة نوال الأشقر بكل التحية والتقدير والامتنان، تقديراً لمسيرة مهنية مشرّفة، وعطاء متواصل، وجهود كبيرة بذلتها وما تزال تبذلها في خدمة الإعلام اللبناني، وفي ترسيخ قيم المهنية والمصداقية والالتزام.
كل التحية للإعلامية المتميزة نوال الأشقر، سيدة الخبر الموثوق، وصوت المهنية الراقية، والاسم الذي استطاع أن يحجز مكانه باحترام في ذاكرة الإعلام اللبناني، ليس فقط بما حققه من نجاحات وإنجازات، بل بما تركه من أثر جميل في نفوس كل من عرفوه وعملوا معه.
وكل عام وتلفزيون لبنان بخير، منبراً وطنياً جامعاً، وحارساً للكلمة الصادقة، ومفتخراً بكوادره وإعلامييه الذين يواصلون حمل رسالته بكل أمانة وإخلاص واقتدار.
