تزداد المطالبات بين حين وآخر بضرورة تقديم وجوه جديدة، خصوصًا مع تزايد «الملل الجماهيري» من تكرار وجوه تقليدية باتت مكرّرة شكلًا ومضمونًا.. فلا تحديث على الخطاب، ولا مواكبة للتطورات، ولا اجتهاد في أساليب الإقناع.
المشكلة، ليست بتكرار نفس الوجوه والشخصيات فحسب.. ولكن المشكلة بالإصرار على تكرار نفس الخطاب دون محاولة للتطوير والابتكار، خصوصًا بقضايا جدلية قابلة للتحليل والنقاش، بعيدًا عن القضايا الثابتة والراسخة كالمبادئ والمواقف التي لا تقبل أي تغيير ولا تبديل.. وإن كانت تقبل – بل تتطلب – فنًّا في الإقناع، خصوصًا مع اختلاف شرائح الجهات المخاطبة – بفتح الطاء -.
وجوه سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية، ورياضية،.. وغير ذلك يتكرر ظهورها في كافة المناسبات وعبر مختلف وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة والإلكترونية.. وغيرها..، منها من هو مقبول، ولا زال قادرًا على إيصال الرسائل، وذلك بما يتوفر لتلك الشخصية من: (كاريزما – وحجّة – وقدرة على الإقناع – والتجديد في الخطاب.. إلخ)، وهناك من الشخصيات من بات «مستهلكًا»، ومكرّرًا ومملًّا، وغير قادر على إيصال الرسائل المطلوبة – لا بل إنّ الإصرار على تلك الشخصيات – أصبح يؤدي لردّة فعل عكسية، تتمثل بمخالفة آراء كل ما تكرره تلك الشخصيات.
في جميع دول العالم، من يتصدّون للظهور الجماهيري عبر مختلف وسائل الإعلام أو مباشرة (LIVE) من خلال الاحتفالات أو المحاضرات أو المؤتمرات أو الندوات، هم على الأغلب فئتان:
1 – فئة من الشخصيات المعروفة، ذات الخبرات المتراكمة في قضايا السياسة أو الاقتصاد أو المجتمع.. إلخ، ولديها قبولًا جماهيريًا ومصداقية اكتسبتها عبر تاريخها الطويل.. فهذه الفئة لا بأس أن تتصدّر المشهد، ولكن في أوقات مهمة يكون من واجب الوطن عليها أن تظهر لتقود المشهد، وتخاطب الجماهير التي تسمع منها وتثق بها.
2 – فئة تتصدر المشهد في أوقات خاطئة، ولا تدري – أو لا تريد أن تقتنع – بأنّها لم تعد قادرة على الإقناع، ولم يعد لديها من الخطاب ما يقنع أو حتى يجذب!.. وهذه الفئة عليها أن تترجل، وتترك المهمّة لـ»وجوه جديدة».
مشكلتنا أننا على الأغلب لا نحسن اكتشاف أو تقديم وجوه جديدة من حين لآخر كي تتصدر المشهد، وتكون قادرة على الإقناع ومخاطبة الجماهير.. والسبب أن كثيرين غير جادّين بمنح الفرصة للوجوه الجديدة، أو غير مستعدين للبحث عنها ومنحها الفرصة.
في مختلف دول العالم يكون (منبع) أو (منجم) الوجوه الجديدة التي يتم استقطابها وتقديمها للمجتمعات والجماهير هي «الأحزاب».. وهنا نتساءل: أين دور الأحزاب بتقديم وجوه جديدة قادرة على العطاء والبناء في كل مرحلة؟
أين دور الأحزاب – خصوصًا وأنّ 20 % من أعضائها المؤسسين هم من فئة الشباب – وكذلك الأمر للقطاع النسائي الذي يفترض أن يشكّل نحو 20 % من المؤسسين لأي حزب.. فأين هي تلك الوجوه الجديدة التي قدمتها أو أبرزتها الأحزاب الأردنية على مدى السنتين الماضيتين – مثلًا -؟!.
الأردن ولاّدة.. ولدينا كفاءات في كل مكان.. في الجامعات والمدارس.. في الأحزاب والنقابات.. في الأندية الرياضية والثقافية والفنية.. في مختلف وسائل الإعلام.. وفي الاتحادات والجمعيات النسائية.. في الوزارات والمؤسسات.. إلخ.. فقط، المطلوب، منح الوجوه الجديدة فرصة لأن تأخذ دورها.. وأنا أتحدث هنا تحديدًا عن الوجوه الشبابية والنسائية.
*باختصار:
مطلوب من الأحزاب دور أكبر بتقديم وجوه جديدة في كل التخصصات، وجوه قادرة على إقناع المجتمع، وتبعث الأمل بالتجديد والتغيير ومواكبة المستجدات والمتغيرات.. جيل يواصل حمل المسؤولية ممن أدّوا ما عليهم، وصار لزامًا أن يواصل مسيرتهم جيل الأبناء والأحفاد.. وهذه سنّة الحياة.. «زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلون».
