منذ أن بزغ نور الحض علةً تهدي العقول في ظلمات الجهل، وصانعًا للأمم قبل أن يكون ناقلًا للمعرفة. كان يبني الإنسان قبل البنيان، ويغرس القيم قبل العلوم، حتى أصبح رمزًا تُحترم كلمته، وتُصان مكانته، وتُهاب هيبته. فما من طبيب أو مهندس أو عالم أو قائد إلا وكان خلف نجاحه معلمٌ آمن برسالته وأخلص لها.
غير أننا اليوم نرى مشاهد مؤسفة تُفرغ هذه الرسالة من قدسيتها، خصوصًا في بعض حفلات التخرج، حيث يتحول التكريم إلى استهزاء، والفرح بالنجاح إلى سخرية من المعلمين. يقلد بعض الطلاب أساتذتهم بطريقة هزلية، يسخرون من حركاتهم وأصواتهم أمام الجميع، والأشد مرارة أن يحدث ذلك أحيانًا بموافقة معلم، بل وربما بإشرافه.
أيها المعلم، كيف تسمح بأن تتحول هيبتك إلى مادة للضحك؟
كيف ترضى أن تهدم بيدك المكانة التي يفترض أنك تغرسها في نفوس طلابك؟
أليست رسالتك قائمة على التربية قبل التعليم؟
أولست أنت من يعلمهم احترام الكبير وتوقير أهل العلم؟
إن المعلم الذي يظن أن التساهل في مثل هذه التصرفات يقربه من طلابه، لا يدرك أنه يمنحهم تصريحًا صريحًا بالاستهانة به وبكل صاحب رسالة. فالمزاح حين يتجاوز حدود الأدب، يتحول إلى إسقاط للقيمة وكسرٍ للهيبة.
واعلم أن هيبة المعلم ليست تكبرًا، ولا تعاليًا على الطلاب، بل هي ضرورة تحفظ للتعليم مكانته، وللرسالة التربوية قدسيتها. فحين تسقط هيبة المعلم، تسقط معها حدود الاحترام، ويضيع الفرق بين المربي ومن يتلقى التربية.
فيا صاحب الرسالة السامية، اقترب من طلابك بأخلاقك، بعدلك، بحكمتك، بعلمك، لا بأن تكون أداةً للتهكم على منصة الاحتفال. لأن ما يُبنى على السخرية ينهار سريعًا، أما ما يُبنى على الاحترام فيبقى خالدًا في النفوس مهما مر الزمن.
