(سبستاك)* جوناثان كوك –
يتهاوى الادعاء الذي تكرره إسرائيل بأنّ حركة “حماس” والسلطة الفلسطينية مسؤولتان عن هجرة المسيحيين من الأرض المقدسة بمجرد النظر إلى أوضاع المسيحيين الفلسطينيين داخل إسرائيل نفسها، حيث لا تعمل “حماس” ولا السلطة الفلسطينية، وكذلك في القدس الشرقية حيث ظلّ نفوذ الطرفين محدوداً للغاية.
في كلتا الحالتين، تمارس إسرائيل سيطرة كاملة غير منازَع عليها على حياة الفلسطينيين، ومع ذلك نلحظ النمط نفسه من هجرة المسيحيين من المنطقة.
ولا تحتاج أسباب مغادرة المسيحيين الفلسطينيين القلائل في غزة -الذين لا يتجاوز عددهم اليوم نحو ألف شخص- لهذا الجيب الصغير المكتظ بشدة، والخاضع لحصار إسرائيلي منذ ثلاثة عشر عاماً، إلى كثير من التفسير.
صحيح أنّ هؤلاء المسيحيين -الذين يشكّلون نحو 0.0005 في المائة من سكان غزة- يجدون صعوبة في الشعور بالتمثيل داخل مجتمع تهيمن عليه القيم الاجتماعية والثقافية الإسلامية التي تجسّدها حكومة “حماس”، ولكن لا توجد أي أدلة تُذكر على أنهم يتعرضون للاضطهاد هناك.
وفي المقابل، هناك أدلة دامغة على أنّ مسيحيي غزة يعانون، إلى جانب جيرانهم المسلمين، من الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لحقوقهم الأساسية في الحرية والأمن والكرامة.
أما في الضفة الغربية، فالصورة تحتاج إلى تدقيق أكبر. كما أشرنا سابقاً، تمتع المسيحيون الفلسطينيون تاريخياً بامتيازات نسبية مقارنة بمواطنيهم المسلمين، تعود إلى صلاتهم التاريخية بالكنائس. وقد تمكنوا من الاستفادة من قطاع السياحة كمرشدين وسائقين وأصحاب بيوت ضيافة. كما أنهم يحظون بفرص أفضل للالتحاق بالمدارس التي تديرها الكنائس، وبالتالي بفرص أكبر للوصول إلى التعليم العالي والمهن.
ويمتلكون أراضي حضرية أكثر قيمة، ويملك كثير منهم متاجر وأعمالاً في المدن.
وهناك بطبيعة الحال مسلمون ومسيحيون يعملون محامين وتجاراً وأصحاب أعمال، لكن نسبة أكبر من المسيحيين انتمت إلى الطبقة الوسطى والمهنية نتيجة لهذه المزايا المختلفة.
ومع أنّ سياسات الاحتلال الإسرائيلي أثّرت بقسوة على جميع الفلسطينيين، فإنّ بعضهم تضرّر أكثر من غيره. وغالباً ما كان الأكثر تضرراً هم الذين يعيشون خارج المدن الرئيسية -التي تخضع لحكم فلسطيني جزئي- أي في المناطق الريفية ومخيمات اللاجئين. وقد فقد السكان في المخيمات، مثل مخيم عايدة قرب بيت لحم، أراضيهم وممتلكاتهم لصالح إسرائيل واضطروا إلى إعادة بناء حياتهم من الصفر منذ العام 1948. كما أن الذين يعيشون في المجتمعات الزراعية المعزولة المصنفة وفق اتفاقيات أوسلو ضمن “المنطقة ج” (وهو تصنيف مؤقت أصبح دائماً فعلياً)، عرضة بالكامل لسيطرة إسرائيل المدنية والعسكرية العدوانية.
ويعاني سكان هذه المناطق من قلة فرص العمل، وهم الأكثر عرضة للعنف الإسرائيلي الرسمي وعنف المستوطنين، فضلاً عن مصادرة الأراضي والقيود الشديدة على المياه التي تفرضها إسرائيل. ويتحمل الفلسطينيون المسلمون عملياً هذه الظروف القاسية بنسبة أكبر من المسيحيين.
مع ذلك، حرمت سياسات إسرائيل العائلات المسيحية في المدن بشكل متزايد من الفرص التي اعتادت عليها -والتي يعتبرها الغربيون بديهية. والأهم من ذلك أنّ المسيحيين، بخلاف كثير من المسلمين الفلسطينيين، ظلوا يحتفظون بامتياز واحد على الأقل: وجود منفذ للهجرة إلى بلدان يستطيعون فيها عيش حياة أقرب إلى الطبيعية.
كان الضرر الذي لحق بالحياة المسيحية محسوساً بشكل خاص في ما يتعلق بقيود الحركة -إحدى الوسائل التي أرست بها إسرائيل نظاماً يكاد يكون مطلقاً للسيطرة على الحياة الفلسطينية. وقد وجد المنخرطون في التجارة والأعمال، كما هو حال كثير من المسيحيين، صعوبة متزايدة في النجاح مع تشديد هذه القيود خلال ربع القرن الماضي، وخاصة منذ إدخال الإجراءات المرتبطة باتفاقيات أوسلو. وقد أُقيم نظام معقّد من الحواجز والتصاريح للتحكم بحرية تنقّل الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة ودخولهم إلى إسرائيل بحثاً عن العمل. ومع مرور الوقت، تعزّز هذا النظام بجدار طويل من الفولاذ والإسمنت -“جدار الفصل”- الذي شرعت إسرائيل في بنائه قبل نحو عقدين.
تحدّي مشروع جعة الطَّيبة
من الأمثلة الدالة على صعوبة ممارسة الأعمال في ظل هذه الظروف، مصنع الجعة الصغير في بلدة الطيبة في الضفة الغربية، الواقعة في موقع ناءٍ شمال رام الله والمطلّة على غور الأردن. وتشكل الطيبة حالة استثنائية، حيث يشكل عدد سكانها البالغ نحو 1.300 نسمة آخر مجتمع مسيحي خالص في الأراضي المحتلة. وتحمل البلدة اسماً يعني في العربية “الطيّب” و”اللذيذ” معاً، ويُعتقد أنها تقوم على الموقع التوراتي لإفرايم. وتشير كنيسة صغيرة إلى المكان الذي يُقال إنّ السيد المسيح اعتكف فيه مع تلاميذه قبل توجهه إلى القدس حيث صُلب. كما تضم الطيبة مدارس كاثوليكية وأرثوذكسية يونانية، وداراً لرعاية المسنين تابعة للكنيسة الكاثوليكية.
مع ذلك، تعيش الطيبة منذ زمن حالة انهيار ديموغرافي. وأصبح عدد سكانها اليوم ضئيلاً مقارنة بجاليتها في الخارج: إذ يعيش نحو 12 ألفاً من أبنائها السابقين وذريتهم في المهجر، معظمهم في الولايات المتحدة وتشيلي وغواتيمالا. وقد أسس الشقيقان، داود ونضال خوري -اللذان نشآ في الولايات المتحدة- مصنع الجعة في البلدة بعد عودتهما إليها بموجب ترتيبات اتفاقيات أوسلو. واعتمد المشروع على الخبرات والعلاقات التي اكتسباها في الخارج.
بالنسبة للأخوين، كان تطوير مشروع مستدام مثل مصنع الجعة وسيلة لوقف التدهور التدريجي للبلدة وعكس مساره، والحفاظ على تراثها المسيحي. وقد خشيا أن يفضي أي تراجع إضافي في عدد السكان إلى جعل أراضي الطيبة وبساتين الزيتون العتيقة فيها عرضة للاستيلاء من قبل ثلاث مستوطنات يهودية تحيط بالبلدة. وهكذا اعتُبر المشروع محاولة لإنقاذ الطيبة.
تقول ماريا خوري، زوجة داود اليونانية التي تعرّف إليها في جامعة هارفارد، إن ظروف الحياة في البلدة واصلت التدهور. وتبلغ نسبة البطالة فيها 60 في المائة، وتقطع إسرائيل المياه عنها أربع مرات أسبوعياً للحفاظ على الإمدادات المخصصة للمستوطنات اليهودية. كما أن الرحلة إلى أقرب مدينة فلسطينية، رام الله، تستغرق اليوم خمسة أضعاف ما كانت تستغرقه قبل عشرين عاماً -حين لم تكن تتجاوز خمس عشرة دقيقة- قبل إقامة الحواجز ونقاط الإغلاق على الطرق المحلية لحماية المستوطنين.
نجح آل خوري في تحقيق طموحهم بإنتاج مجموعة من أنواع الجعة الحائزة على جوائز، وفق أعلى معايير النقاء. كما وسّعت العائلة نشاطها إلى إنتاج النبيذ الفاخر، وبنت فندقاً راقياً في مركز البلدة، في مفارقة مع صغر حجمها. وأسهم مهرجان “أكتوبرفست” السنوي، المستوحى من احتفالات الجعة الألمانية، في وضع هذه البلدة النائية على الخريطة. كما افتُتحت بعض المطاعم في إطار محاولة الطيبة إعادة ابتكار نفسها كوجهة سياحية لعطلات نهاية الأسبوع، ولو بنجاح محدود.
ولكن، على الرغم من هذه الإنجازات، بقيت طموحات الأسرة الأوسع معرقلة. فقد أعاقت قيود الحركة التي تفرضها السلطات العسكرية الإسرائيلية جهود توسيع المشروع. ومع وجود سوق محلية محدودة بسبب رفض معظم الفلسطينيين استهلاك الكحول، اعتمد مصنع الطيبة أساساً على التصدير إلى أوروبا واليابان والولايات المتحدة. لكنّ التعقيدات الناجمة عن التعامل مع البيروقراطية الإسرائيلية العدائية استنزفت المال والوقت والجهد، وجعلت من الصعب منافسة مصانع الجعة الأجنبية.
وقال لي داود خلال أحد مهرجانات “أكتوبرفست” إن المصنع يواجه “مضايقات إسرائيلية بذريعة الأمن”. وأشار إلى أن إسرائيل تقوم، حتى عندما تكون المعابر مفتوحة، باحتجاز شاحنات الشركة لساعات طويلة، حيث تقوم بإنزال الزجاجات وفحصها واحدةً واحدةً باستخدام كلاب بوليسية.
ثم يُعاد تحميلها على شاحنات إسرائيلية في الجهة الأخرى من الحاجز. وإلى جانب مياه الينابيع المحلية، تُستورد جميع مكونات الجعة والزجاجات من أوروبا، ما يضيف مشكلات لوجستية إضافية في الموانئ الإسرائيلية. وقد اضطر آل خوري، بما عُرف عنهم من ابتكار، إلى الالتفاف على هذه العقبات عن طريق ترخيص مصنع في بلجيكا لإنتاج الجعة المخصصة للتصدير الخارجي. لكنّ ذلك حرم البلدة من فرص عمل كان يمكن أن تستفيد منها العائلات المحلية.
وفي الوقت الذي يكافح فيه آل خوري لإدخال منتجاتهم إلى السوق الإسرائيلية، تتمتع إسرائيل بحرية كاملة في إغراق الأراضي المحتلة بسلعها. وقال داود: “السياسة واضحة في استهدافها الإضرار بمشاريع مثل مشروعنا. وتبيع إسرائيل بحرية أنواع الجعة مثل ’مكابي‘ و’غولدستار‘ في الضفة الغربية”.
وتتكرر مثل هذه التجارب لدى الشركات الفلسطينية، الكبيرة منها والصغيرة، في مختلف أنحاء الضفة الغربية.
حياة هشّة في القدس
شهد عدد المسيحيين تراجعاً في القدس أيضاً، على الرغم من أنّ المدينة تخضع بالكامل للسيطرة الإسرائيلية منذ احتلال أحيائها الشرقية وضمّها بشكل غير قانوني في العام 1967. وقد سُمح للسلطة الفلسطينية لفترة وجيزة بحضور محدود في القدس الشرقية في أواخر التسعينيات، لكنها أُقصيت فعلياً مع اندلاع الانتفاضة الثانية في العام 2000. وسرعان ما لقي السياسيون المرتبطون بحركة “حماس” في القدس المصير نفسه، حيث قامت إسرائيل بطردهم إلى الضفة الغربية بعد فوزهم بمقاعد القدس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية للعام 2006.
وليس من المستغرب أن إسرائيل لم تُبدِ حماساً لنشر أرقام رسمية حول هجرة المسيحيين من القدس. لكن أعدادهم انخفضت بشكل ملحوظ، بدلاً من أن ترتفع كما كان متوقعاً خلال العقود الخمسة الماضية -لتهبط من نحو 12 ألفاً في العام 1967 إلى حوالي 9 آلاف اليوم، بحسب يوسف ظاهر من “مركز الكنائس في القدس”، الواقع في البلدة القديمة. ومن بين هؤلاء، يُقدَّر أن عدد المقيمين في الحي المسيحي داخل البلدة القديمة لا يزيد على 2.400 شخص، حيث جعلت إسرائيل الحياة هناك أكثر صعوبة بشكل خاص.
تتمتع القدس بأهمية تاريخية ورمزية وروحية واقتصادية للشعب الفلسطيني، وهي تحتضن مواقع مقدسة رئيسية للمسلمين والمسيحيين على حد سواء. وظلّ الفلسطينيون ينظرون إليها طويلاً بوصفها العاصمة الممكنة الوحيدة لدولتهم المستقبلية. لكن إسرائيل تنظر إلى المدينة بالمنطق نفسه تقريباً -باعتبارها القلب الديني والرمزي لمشروعها القومي الديني-العرقي الهجين. ولم تُبدِ أي اهتمام بمبدأ تقاسمها كعاصمة، بل تعاملت معها بمنطق صفري: أيّ مكسب لإسرائيل يعني خسارة للفلسطينيين.
وبالتدريج، أصبحت قبضة إسرائيل على القدس محكمة بالكامل. ولم يكتف الجدار الذي بدأت ببنائه داخل المدينة قبل أكثر من خمسة عشر عاماً بفصل الفلسطينيين في القدس عن الفلسطينيين في الضفة الغربية فحسب، وإنما قسّم المدينة نفسها، واضعاً أكثر من 100 ألف فلسطيني على الجانب “الخاطئ”، وقاطعاً صلتهم بمدينة مولدهم. وقبل عامين، أضفى الرئيس دونالد ترامب طابعاً من “الشرعية” الأميركية على هذا الواقع، عندما اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها.
وجد الفلسطينيون في القدس الشرقية المحتلة الذين بقوا على الجانب “الإسرائيلي” من الجدار أنفسهم معزولين وأكثر عرضة لانتهاكات نظام السيطرة الإسرائيلي. وعانوا من قيود في التخطيط تجعل من شبه المستحيل بناء المنازل بشكل قانوني. وتقوم إسرائيل بهدم عشرات البيوت الفلسطينية سنوياً في المدينة، مما يؤدي إلى اكتظاظ متزايد باستمرار. وفي المقابل، صادرت إسرائيل مساحات شاسعة من الأراضي في القدس الشرقية لصالح مستوطناتها غير القانونية، وساعدت المستوطنين اليهود على الاستيلاء على منازل فلسطينية.
وتعمل الأجهزة الأمنية في المدينة كقوة احتلال داخل الأحياء الفلسطينية، بينما تنتهج السلطات البلدية سياسة رسمية لـ”تهويد” القدس، بمعنى جعلها أكثر يهودية. وقد منحت إسرائيل السكان الفلسطينيين الأصليين صفة “الإقامة”، التي تعني معاملتهم فعلياً كأنهم مهاجرون لا أكثر. وقد عاد كثيرون ممن غادروا المدينة لفترات طويلة للدراسة أو العمل في الخارج ليجدوا أن تصاريح إقامتهم قد أُلغيت.
بطبيعة الحال، يواجه سكان المدينة المسيحيون مشكلات مماثلة لتلك التي يعانيها المسلمون. ولكن باعتبارهم مجتمعاً صغيراً جداً، فإنهم تعرضوا أيضاً لضغوط خاصة. جعلت سياسة إسرائيل المتمثلة في عزل القدس عن الضفة الغربية، وخاصة عن مدينتي بيت لحم ورام الله القريبتين، المسيحيين في المدينة أكثر عزلة بشكل خاص.
ومع عمل الكثير منهم في التجارة، فقد أصابتهم ما تُسمى بسياسة “الفصل” بضرر اقتصادي بالغ.
وبالمثل، وبسبب صِغر دائرة الزواج داخل المجتمع المسيحي في القدس، اضطر كثيرون -على الأقل قبل بناء الجدار- إلى البحث عن شركاء حياة من التجمعات المسيحية القريبة في الضفة الغربية.
وقد جعلهم ذلك اليوم أكثر عرضة من غيرهم لسياسات إسرائيل المتشددة المتعلقة بلمّ شمل العائلات. وعادةً ما تُحرم العائلات الفلسطينية في القدس من حق العيش مع الزوج أو الزوجة من الضفة داخل المدينة، كما يُمنع تسجيل أبناء هذه الزيجات كمقيمين في القدس. وقد دفع ذلك كثيرين إلى الانتقال إلى الضفة الغربية أو إلى الخارج كخيار وحيد للبقاء معاً.
كما في بيت لحم، يعمل العديد من مسيحيي القدس في قطاع السياحة، سواء كمرشدين سياحيين أو كأصحاب محال تذكارات في الحي المسيحي في البلدة القديمة. وقد أثبت هذا النشاط أنه وسيلة عيش هشة للغاية خلال العقود الأخيرة، مع انهيار السياحة مراراً: خلال الانتفاضتين الطويلتين، وخلال الهجمات الإسرائيلية على غزة -ثم بسبب فيروس كورونا.
ومع ذلك، سوف تجعل إسرائيل قريباً من كسب العيش في البلدة القديمة أكثر صعوبة عندما تُنجز مشروع “التلفريك” إلى القدس الشرقية. في الوقت الحالي، يدخل كثير من السياح عبر “باب الخليل” إلى الحي المسيحي، حيث تتاح لأصحاب المتاجر فرصة لبيع بضائعهم وتذكاراتهم.
لكن التلفريك سيقوم بـ”إيصال” السياح جواً من محطة في القدس الغربية مباشرة إلى مجمع استيطاني غير قانوني في “مدينة داوود” في سلوان، خارج أسوار البلدة القديمة مباشرة. ومن هناك، سيجري توجيه السياح إما مباشرة إلى الحي اليهودي عبر “باب المغاربة”، أو أنهم سيمرّون عبر شبكة من الممرات تحت الأرض تصطف فيها متاجر يملكها مستوطنون، وصولاً إلى أسفل حائط البراق. ويبدو أن الهدف لا يقتصر على جعل السكان الفلسطينيين في البلدة القديمة غير مرئيين، بل يقصد أيضاً حرمانهم من أي فرصة للاستفادة من السياحة.
بيع الكنائس للأراضي
لكن المشكلة أعمق من ذلك بالنسبة للمسيحيين الفلسطينيين -وتظهر بحدة خاصة في القدس. فقد وجد المسيحيون المحليون أنفسهم عملياً كأدوات في لعبة نفوذ دولية ثلاثية الأطراف بين إسرائيل؛ والكنائس المالكة للأراضي ذات النفوذ التاريخي في المنطقة، وعلى رأسها الفاتيكان والكنيسة الأرثوذكسية اليونانية؛ والحركات الإنجيلية. ولا تمثّل أي من هذه الأطراف مصالحهم.
من السهل على الحجاج أن يتجاهلوا، خلال تجوالهم في الأرض المقدسة، حقيقة أن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية والكنيسة الأرثوذكسية اليونانية ليستا مؤسستين محليتين، وإنما هما مؤسستان أجنبيتان عملاقتان، تتخذان من الفاتيكان واليونان مقراً لهما، وتُعنيان بجدواهما التجارية ونفوذهما الدبلوماسي على الساحة العالمية بقدر ما تُعنيان بالاحتياجات الروحية لأي جماعة محلية، بما في ذلك المسيحيون الفلسطينيون. وقد أصبح هذا الأمر أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة لدى الجماعات المحلية.
وقد تجلّت هذه المشكلات قبل عامين، (في العام 2018) عندما أغلقت الكنائس الرئيسية، لأول مرة في الذاكرة الحية، أبواب كنيسة القيامة، الموقع المفترض لصلب السيد المسيح في القدس. وقال قادة الكنائس إنهم فعلوا ذلك رداً على ما وصفوه بـ”هجوم منهجي وغير مسبوق ضد المسيحيين في الأرض المقدسة” شنّته إسرائيل. وبذلك، نجحوا في حشد تعاطف دولي، وتراجعت إسرائيل سريعاً.
لكن الكنائس لم تكن تتحرك فعلياً، في جوهر الأمر، بدافع حماية مصالح المسيحيين المحليين. كان عرض القوة هذا مدفوعاً في الواقع بالقلق على مصالحها التجارية.
في ذلك الوقت، كان رئيس بلدية القدس، نير بركات، يسعى إلى فرض ضرائب متأخرة على ممتلكات الكنائس العقارية الواسعة في القدس، آملاً في استرداد نحو 180 مليون دولار.
وعلى خلاف الانطباع الذي حاول قادة الكنائس تقديمه، لم يكن النزاع في جوهره يدور حول الأماكن المقدسة. كانت الكنائس قد تحولت على مدى قرون إلى مؤسسات عقارية كبرى في الأرض المقدسة، مستفيدة من تبرعات الأراضي والعقارات في القدس وغيرها، والتي قدّمها مسيحيون فلسطينيون وحجاج من الخارج. وعلى سبيل المثال، تشكل الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية أكبر مالك للأراضي في المنطقة بعد الدولة الإسرائيلية.
تاريخياً، كانت الكنائس تتمتع بإعفاءات ضريبية تستند إلى الطابع الخيري لرسالتها الدينية ولأعمالها الاجتماعية مع المجتمعات الفلسطينية، بما في ذلك إدارة المدارس والمستشفيات. لكن هذه الأنشطة الخيرية تراجعت تدريجياً، واتجهت الكنائس إلى تنويع استثماراتها في مشاريع أكثر وضوحاً من حيث طابعها التجاري، مثل المتاجر والمكاتب والمطاعم.
كما أُعيد تطوير بيوت الحجاج وتحويلها إلى فنادق مجهّزة ومربحة. وتم تحويل جزء من هذه العائدات لاحقاً إلى السلطات الكنسية في البلدان الأم بدلاً من إعادة استثمارها في دعم المجتمعات الفلسطينية المحلية.
لهذا السبب، وصف أليف صبّاغ، وهو عضو فلسطيني في “المجلس المركزي الأرثوذكسي”، احتجاج كنيسة القيامة بأنه “مسرحية”. لم تُغلق هذه الكنيسة احتجاجاً على وحشية إسرائيل ضد الفلسطينيين خلال أي من الانتفاضتين، ولا احتجاجاً على هجرة المسيحيين المحليين من المنطقة. ووجدت الكنائس الأجنبية صوتها فقط عندما كانت في حاجة إلى حماية أرباحها من صفقات العقارات والاستثمار.
لكن ذلك لا يعني أنّ المسيحيين الفلسطينيين لا يملكون أسباباً للقلق من محاولات إسرائيل الضغط على الكنائس لدفع ضرائب أعلى، أو أنهم كانوا غير مبالين بالمواجهة القصيرة حول كنيسة القيامة.
فقد أصبح بطريرك الفاتيكان والبطريركية الأرثوذكسية أكثر خضوعاً وضغطاً في مواجهة إسرائيل خلال العقود الأخيرة، سواء بسبب ازدياد تشدد إسرائيل في فرض سلطتها في المنطقة، أو بسبب إظهار الدول الغربية استعدادها لدعمها بغضّ النظر عن معاملتها للفلسطينيين.
تمتلك إسرائيل العديد من أدوات الضغط على الكنائس الدولية. فهي تستطيع -وقامت فعلاً بتجميد تصاريح العمل الدينية الخاصة بآلاف العاملين في الأرض المقدسة. كما أنها تعرقل بشكل متكرر تصاريح البناء والترميم التي تحتاجها الكنائس.
وتقوم جماعات يمينية متطرفة قريبة من الائتلاف الحاكم في إسرائيل بتهديد رجال الدين في الشوارع وتخريب ممتلكات الكنائس، بما في ذلك المقابر، تحت جنح الظلام، ونادراً ما تنجح الشرطة الإسرائيلية في القبض على مرتكبي هذه الاعتداءات أو معاقبتهم.
وكان من أبرز هذه الهجمات حريق متعمد في العام 2015 دمّر أجزاء من كنيسة “تكثير الأرغفة والسمك”، الواقعة على شاطئ بحيرة طبريا، وهو الموقع الذي يُعتقد أنّ السيد المسيح أطعم فيه حشداً كبيراً من الناس بالخبز والسمك. وقد كُتبت على جدار الكنيسة كتابات بالعبرية جاء فيها: “سوف تُقطع رؤوس عبدة الأوثان”.
تجلّت هذه الاستراتيجية القائمة على إضعاف الكنائس الدولية وترهيبها بشكل واضح في حالة الكنيسة الأرثوذكسية. هناك، يجب أن يحصل كل بطريرك جديد، وهو أعلى مرجعية أرثوذكسية في المنطقة، على موافقة مشتركة من السلطة الفلسطينية والأردن وإسرائيل.
وفي حالتي البطريركين الأخيرين، إيرينيوس الأول وثيوفيلوس الثالث، عمدت إسرائيل -على النقيض من السلطة الفلسطينية والأردن- إلى المماطلة في الموافقة على تعيينهما. وقد اضطر إيرينيوس إلى الانتظار قرابة أربع سنوات، بينما انتظر ثيوفيلوس عامين ونصف. ومع مرور الوقت، أصبح سبب هذا التأخير واضحاً لدى المسيحيين المحليين.
بعد أن يحصل كل بطريرك أخيراً على الموافقة، تظهر أدلة تشير إلى أن مستشاريه أشرفوا على بيع أجزاء من ممتلكات الكنيسة الضخمة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة. وغالباً ما تُباع هذه الصفقات الغامضة، التي تُسجَّل فيها أراضٍ لا تُقدّر بثمن مقابل مبالغ زهيدة نسبياً، لحساب شركات إسرائيلية أو مؤسسات خارجية يتبيّن لاحقاً أنها واجهات لمجموعات استيطانية يهودية.
ومن أشهر هذه القضايا بيع عقارين كبيرين للمستوطنين، كانا يعملان كفندقين تديرهما جهات فلسطينية، في موقع بالغ الأهمية قرب “باب الخليل” -المدخل إلى الحي المسيحي في البلدة القديمة بالقدس. ويبدو أن هذه الصفقات كانت جزءاً من الثمن الذي دُفع مقابل حصول إيرينيوس على الموافقة الإسرائيلية.
وكانت إسرائيل حريصة منذ زمن على تهويد “باب الخليل”، لأنه يشكّل عملياً جسراً بين القدس الغربية داخل إسرائيل والحي اليهودي، وهو أكبر تجمع استيطاني داخل البلدة القديمة المحتلة.
وأثناء تغطيتها لصفقات الأراضي في “باب الخليل”، كشفت صحيفة “هآرتس” تسجيلات صوتية لزعيم استيطاني في القدس وهو يتباهى بأن منظمته “عطيرت كوهانيم” تملك حق “الفيتو” على تعيين كل بطريرك، وأنها لن تمنح موافقتها إلا بعد أن يقوم البطريرك ببيع أراضٍ لها.
ويبدو أنّ النمط ذاته تكرر مع ثيوفيلوس، المتهم ببيع عدد من قطع الأراضي في محيط بيت لحم، والقدس الغربية، ويافا، وحيفا، والناصرة، وقيسارية. وتشير التقارير إلى أن الكنيسة حصلت على أكثر من 100 مليون دولار من هذه الصفقات.
وفي العام 2017، قدّم نحو 300 مسيحي فلسطيني شكوى جنائية إلى النائب العام الفلسطيني في رام الله، اتهموا فيها البطريرك بـ”الخيانة”. وفي العام نفسه، قطعت 14 مؤسسة أرثوذكسية محلية -تمثل العديد من نحو نصف مليون مسيحي أرثوذكسي يوناني في الأراضي المحتلة وإسرائيل والأردن- علاقاتها مع ثيوفيلوس ومجمعه، وطالبت بإقالته.
ويزداد قلق المسيحيين الفلسطينيين من أنّ الكنائس لا تتصرف بما يخدم مصالحهم عند إبرام هذه الصفقات. والتاريخ يشير إلى أنّ الأراضي كانت توهب للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية كوقف، وكانت العائدات تُستخدم للصالح العام للمجتمع الأرثوذكسي في الأرض المقدسة. لكن المجتمعات المحلية تقول إن هذه الأموال يتم تحويلها اليوم إلى السلطات الكنسية في الخارج.
سيدات فلسطينيات مسيحيات بالأثواب التراثية – (أرشيفية)
بالإضافة إلى ذلك، تُشير التقارير إلى أنّ ما يقرب من ربع أراضي القدس الشرقية مملوك للكنائس، بما في ذلك جبل الزيتون، وحي الشيخ جراح، ومساحات واسعة من البلدة القديمة. ويعيش العديد من المسيحيين الفلسطينيين في هذه المناطق التي يستهدفها بشكل مكثف ومتصاعد تيار الاستيطان. ولا يملك المسيحيون المحليون ثقة تُذكر في أن الكنيسة لن تقوم ببيع هذه الأراضي في المستقبل، في ما يجعلهم عرضة لخطر الإخلاء على يد المستوطنين.
في هذا الشأن، صرّح عطا الله حنّا، وهو الفلسطيني الوحيد الذي يشغل منصب رئيس أساقفة أرثوذكسياً يونانياً، مراراً وتكراراً، وتعرّض للعقاب بسبب مواقفه المنتقدة لسياسات البطريركية. وأصدر بياناً بشأن صفقات الأراضي في “باب الخليل” جاء فيه: “إنّ الذين يبيعون ويتخلّون عن عقاراتنا وأوقافنا الأرثوذكسية لا يمثلون كنيستنا العربية، ولا تراثها وهويتها ووجودها التاريخي في هذه الأرض المقدسة”.
ينبغي النظر إلى محاولة رئيس بلدية القدس في العام 2018 لـ”خنق” الكنائس مالياً في هذا السياق. فإذا ما واجهت الكنائس فواتير ضريبية كبيرة جديدة، فسوف يتزايد الضغط عليها على المدى البعيد -إما لتصبح أكثر خضوعاً لإسرائيل خشية فرض ضرائب إضافية، أو لبيع المزيد من الأراضي لتغطية ديونها. وفي كلتا الحالتين، سيكون المسيحيون الفلسطينيون هم الخاسر الأكبر.
*جوناثان كوك Jonathan Cook: صحفي بريطاني حائز على جوائز. أقام في مدينة الناصرة لمدة 20 عامًا. عاد إلى المملكة المتحدة في العام 2021. وهو مؤلف لثلاثة كتب عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني: “الدم والدين: كشف القناع عن الدولة اليهودية” Blood and Religion: The Unmasking of the Jewish State، (2006)؛ “إسرائيل وصراع الحضارات: العراق وإيران وخطة إعادة تشكيل الشرق الأوسط” (2008) Israel and the Clash of Civilisations: Iraq, Iran and the Plan to Remake the Middle East؛ و”فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في البؤس البشري” (2008) Disappearing Palestine: Israel’s Experiments in Human Despair.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel’s Slow Ethnic Cleansing of Christians from the Holy Land
