تحفّظ كثيرون ولام آخرون جورج بوش الابن، رئيس أمريكا الأسبق، عند إعلانه بحزم: من ليس معنا فهو ضدنا.. لكن المدرك لتلك اللحظة التاريخية الفارقة التي حكمت هذا المنطق، يعلم يقينا أن الحرب ضد الإرهاب لا حياد فيها. وقد شهد العالم كله، على الهواء مباشرة، ماذا يعني اختطاف تنظيم إرهابي مسلح طائرات ركاب مدنية، وتحويلها إلى صواريخ استهدفت مراكز مدنية عمرانية، اعتبرت رمزا لقوة أمريكا ومكانتها وهيبتها في العالم، وقد خرجت للتو، قطبا أوحدا، بعد تحطيم جدار برلين، وسقوط الشيوعية والاتحاد السوفييتي، وتفكيك جمهورياته، ومعه ما كان يعرف بحلف وارسو أو الكتلة الشرقية في القارة العجوز، أوروبا.
في المعارك الوجودية، كتلك التي تمس الهوية في الصميم، لا مجرد قدرات الدولة ومؤسساتها، أو طاقات الشعوب وثرواتها، من غير المقبول الحياد أبدا، ولا قيمة لما يسمى الحياد الإيجابي. قبل سقوط الشيوعية، سقطت منظومة كانت تعرف بحركة دول عدم الانحياز، وعمليا انهارت معها، ما كانت توصف بالاشتراكية الدولية!
الأمم والشعوب الحية، الأوطان والدول النابضة بقيم الحياة والحق والجمال والخير والعدالة، لا تتردد ولا تتوانى أبدا، عن الانحياز إلى الحق، فـ «الحقّ أولى أن يُتّبَع»..
عندما يكون الانتماء والولاء على المحك، وسط صليل سيوف هذا الزمان وخناجره ومنجنيقاته، لا يعلو على صوت الضمير، صياح صعاليك المنصات ولا صراخ مماليك أي محور كان، شرقا أو غربا! وأعني بذلك أولئك الذين يقولونها في تورية أو جراءة مستفزة إنهم «معهم»، سيوفهم مع المتسللين والمندسين من خارج الحدود، بدعاياتهم المضللة الهدامة، زاعمين -رهانا على حسن ظننا وطول أناتنا جميعا- بأن قلوبهم ليست «عليهم»، بل»معانا»!
هم ليسوا منا، وما كانوا ولن يكونوا يوما حتى باسم التعددية والديموقراطية! سواء كان الحديث عن الخلايا الإرهابية النائمة التي تم إحباط مخططاتها الآثمة في الدول الخليجية الشقيقة..
مجرد «التعاطف» أو «تمجيد» الاعتداءات الإيرانية -المدانة قولا واحدا ودون أي تحفظ- على الوطن، أو على الشقيق أو الصديق، أو من أجارته أو تعاهدت معه الدولة، يعتبر كل من تلك الأفعال الشائنة خيانة للأمانة، وإخلالا بما هو أسمى من «العقد الاجتماعي» أو التعاهد السياسي أو القانوني..
جواز السفر والرقم الوطني والعلم وشعار الدولة الرسمي، ورموزه السيادية، قد يراها البعض مجرد وثائق ورموز، لكن الانتماء والولاء، له خارطة جينية بالغة التعقيد، لا يعرف شأنها إلا ذوو الاختصاص، من المؤتمنين على أمن أوطاننا ومجتمعاتنا وأسرنا، أولئك الذين يستحقون منا جميعا الدعم المطلق والإسناد الدائم، ولو «بشِقّ تمرة»، ولو بحرفِ كلمة. تلك ما هي بصدقة نتفضل بها على الآخر، ولا هي بضريبة ندفعها نظير مستحقات أو هبات أو خدمات، إن هي إلا أقل الواجب الذي يرقى إلى أن يكون «فرض عين» لا كفاية..
من الآخر، نحن «معنا وعليهم» دائما وأبدا. ليس منا من يزعم حبا ويلتمس عذرا لمن رمانا بوردة، حتى وإن كانت منزوعة الأشواك، فما بال المترددين أو المعتذرين أو الصابرين على من تجاوز إيذاؤهم بحقنا، ما يسقط عنهم -فرادا وزمرا- كل أعذار الشفاعة والوساطة؟!
