في اليوم العالمي لحرية الصحافة، تتجدد أهمية التأكيد على أن حرية التعبير ليست مجرد قيمة إعلامية، بل هي حق أساسي يشكّل أحد أعمدة الأنظمة الديمقراطية، وضمانة أساسية لحق المجتمع في المعرفة. وفي السياق اللبناني، تكتسب هذه المناسبة بعداً أكثر تعقيداً في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية، وتداعيات النزاع المسلح المستمر منذ عام 2023، والذي انعكس بشكل مباشر على واقع الصحافة والصحافيين.
تشير نتائج مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن مراسلون بلا حدود لعام 2025–2026 إلى أن لبنان يحتل مرتبة متوسطة إلى متأخرة عالمياً، مع تسجيل تحسن طفيف في الترتيب مقارنة بالسنوات السابقة. ويعكس هذا التحسن النسبي جانباً إيجابياً يتمثل في استمرار التعددية الإعلامية في لبنان وقدرة المؤسسات الصحافية على الاستمرار رغم الانهيار الاقتصادي والضغوط السياسية، ما يدل على قدر من الصمود المهني في بيئة شديدة التعقيد.
ومع ذلك، لا يزال المشهد الإعلامي اللبناني يواجه تحديات بنيوية عميقة، حيث يعمل الإعلام ضمن هامش من الحرية يتعرض لتقييد غير مباشر من خلال الضغوط السياسية، والملاحقات القضائية، وتطبيق قوانين التشهير والجرائم الإلكترونية، إضافة إلى تأثير الانقسامات السياسية على استقلالية المؤسسات الإعلامية وخطوطها التحريرية. كما أدت الأزمة الاقتصادية إلى إضعاف المؤسسات الإعلامية وزيادة تبعيتها للتمويل السياسي أو الخارجي، ما انعكس على استقلالية العمل الصحافي.
وعلى المستوى الميداني، شكّل النزاع المسلح في الجنوب اللبناني منذ عام 2023 خطراً مباشراً على الصحافيين العاملين في التغطية الميدانية، حيث تعرض عدد منهم للاستهداف أثناء أداء مهامهم. ومن بين الحالات الموثقة الصحافية فرح عمر والمصور ربيع المعماري من قناة الميادين، إضافة إلى المصور إسماعيل عبد الله من وكالة رويترز، إلى جانب إصابة وتهديد عدد من الصحافيين الآخرين خلال تغطية الأحداث. وصولاً إلى الصحافية امال خليل وتؤكد هذه الحوادث حجم المخاطر التي تواجه الإعلاميين، الذين يمارسون عملهم في بيئة نزاع معقدة، حيث يصبح نقل الحقيقة مهمة محفوفة بالخطر.
من منظور القانون الدولي الإنساني، ينص الإطار القانوني الوارد في اتفاقيات جنيف على أن الصحافيين يُعتبرون مدنيين ويتمتعون بالحماية الكاملة أثناء النزاعات المسلحة، ما لم يشاركوا بشكل مباشر في الأعمال القتالية. وبالتالي فإن استهدافهم أو عرقلة عملهم يشكل انتهاكاً خطيراً قد يرقى إلى جرائم حرب. إلا أن الواقع العملي يكشف عن فجوة بين هذه النصوص القانونية وآليات تطبيقها، ما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية منظومة الحماية الدولية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية النقاش حول تعزيز المساءلة الدولية، خاصة أن لبنان لم ينضم بعد إلى نظام روما الأساسي المنشئ لـ المحكمة الجنائية الدولية، ما يحدّ من إمكانيات الملاحقة القضائية الدولية المباشرة لبعض الانتهاكات. ويعيد هذا الواقع طرح الحاجة إلى تطوير آليات قانونية وطنية ودولية أكثر فعالية لضمان عدم الإفلات من العقاب، خصوصاً في الجرائم المرتكبة بحق الصحافيين والمدنيين.
ورغم كل هذه التحديات، يبقى الإعلام اللبناني واحداً من أكثر الإعلامات تنوعاً في المنطقة، حيث يواصل لعب دور أساسي في نقل الأحداث وفتح النقاش العام، حتى في أحلك الظروف. هذا التنوع، رغم هشاشته، يشكّل عنصر قوة مهم، ويعكس قدرة المجتمع الإعلامي على الاستمرار والصمود.
ختاماً، إن واقع حرية الصحافة في لبنان يعكس معادلة دقيقة بين التعددية والصمود من جهة، والضغوط البنيوية والمخاطر الميدانية من جهة أخرى. وبينما يسلّط اليوم العالمي لحرية الصحافة الضوء على أهمية حماية الحقيقة، تبقى المسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والمنظومة الدولية لضمان بيئة آمنة ومستقلة للعمل الصحافي، لأن حماية الصحافة هي في جوهرها حماية للحقيقة، وللحق، وللإنسان نفسه
