سقا الله أيام «فكِّر واربَح» ونجوم برامج المسابقات الثقافية الهادفة، الأساتذة رافع شاهين وعمر الخطيب وشريف العلمي عليهم رحمة الله. برامجهم كانت بحق، برامج التأثير الحقيقي النافع والمستدام.
في مواجهة الحملات العدائية، بذبابها ودبابيرها الإلكترونية، أقوى الضربات الدفاعية أو الهجومية «الانتقامية» -وهذا أمر مشروع- هي تلك المباغتة. لا بأس من توالي الضربات الخاطفة، صفعا ولطما ولكما وركلا، على أن تنتهي دائما، بالقاضية الرادعة.
تمادت بعض الحسابات، حقيقية كانت أم زائفة، بأسمائها الصحيحة أو المختلقة، وأكثرها خطورة تلك التي تدعي أنها من داخل المملكة أو من دولة شقيقة أو صديقة، سيما تلك التي تنتحل اسما يبدو أردنيا، أو يستخدم لهجة تبدو أنها محلية، من أي منطقة كانت.
تمادت وتطاولت كثيرا إلى حد يولّد رغبة عارمة في الرد. رد «التحية» بأحسن منها! لكن الروادع والكوابح كثيرة التي تنهى عن مقابلة الإساءة بالإساءة. ومنها تلك التي تستهدف الخاص ومنها العام. نريد أن نبقي على ما تعلمناه منذ الصغر من كبارنا، في ألا ننحدر أبدا إلى الدرك الذي «يتمردَغ» بوحل مستنقعه بعض «الساقطين». وأعنيها على مستويات عدة، دلّت عليها محتويات بعض الفيديوهات التي «راجت» مؤخرا. أقول راجت لأنها أحيانا تكتسب ذلك الرواج من التفاعل معها. لكن الإهمال وإرذال ما هو جدير بالرذل والازدراء، ليس دائما بالحل الأمثل. فبعض الإساءات تتطلب في طريق الذهاب والإياب إلى الجهات المختصة من نشامى مكافحة الجرائم الإلكترونية، تتطلب سماع صوت من يسمون «مؤثرين»، سيما النجوم من أصحاب الحسابات «المؤلفة» أو المليونية!
بفخر واعتزاز، استعين مرارا بمحتوى نشامى لا أعرفهم شخصيا، لكنهم في منزلة الأصدقاء والأخوة عبر الجيرة الإلكترونية والرابطة الوطنية وإن باعدت بيننا المسافات آلاف الكيلومترات. أستعين بما يقدمونه من محتوى ذكي سيبرانيا: صورة طبيعية «فوتوغرافية» من غير تعديلات أو حتى شروحات. صورة أو مشهد مصمم عبر الذكاء الاصطناعي. فيديو قصير بلا مؤثرات، من الأرشيف أو حديث نسبيا أو معاصر. فيديو قصير من عمل فني شهير أردنيا، عربيا أو عالميا، لا فرق وبأي لغة أو لهجة كانت، ما دامت الرسالة موحدة، وطنية راقية، كما الومضة، برقُها يسبق رعدَها وغيثَها..
منذ سنوات، أظنها سبقت ذلك «الربيع العربي» المزعوم المشؤوم، لمع عدد من المبدعين الأردنيين في توظيف الكاريكاتور رسومات «الكارتون» السياسي، في خدمة الرسالة والسردية الأردنية.
قد يكون من المفيد تعظيم هذا المحتوى وتعزيز هذا التوجه، في ضوء لغة العصر وطبيعة الحملات العدائية. للبيان الرسمي دوره، وكذلك لتصريحات السلطة التنفيذية. لكن تصريحات السلطة التشريعية، والمحتوى الصادر بعفوية عن شخصيات أكاديمية واجتماعية من المؤثرين الأردنيين، في شتى الميادين خاصة نجوم الإعلام والفن والرياضة، جميعهم ليسوا بحاجة إلى انتظار الدعوة للانضمام للجهد الوطني في التصدي للمسيئين من وراء الحدود أو للأسف، من بعض الأوساط المحسوبة على الأردن والأردنيين.
الخلاف والاختلاف، وحتى المعارضة الشريفة الراشدة وإن كانت لدى البعض معارضة مزمنة أو موسمية، أو لا قدّر الله انتهازية، قد تكون مفهومة أو محتملة، إن اقتصر الهجوم أو التهجم على فكرة أو رأي أو اجتهاد، لا على شخصية اعتبارية، ولا على من يؤدي واجبه العسكري أو المدني، ولا على ما ينبغي أن يبقى دائما فوق الجميع لأنه أبقى من الكل..
في البال كان أكثر من مثال لطرحه فيما تقدم عند الإشارة إلى تلك المواد المستفزة للغيرة الوطنية ولردود الأفعال المشروعة، لكني دائما أرى عدم الحكمة والمصلحة السماح لأولئك المسيئين، بالتسلل إلى أي منبر أو أي «ترند»، لركوبه بحثا عن مزيد من الرواج، وبالتالي إيقاع الضرر، لا قدّر الله.
أحببت أن استهل هذه الدعوة إلى تفعيل أدوات الرد على المسيئين الداخليين والخارجيين، من خلال الترحم على تلك النجوم التي صنعت عبر منابرنا الفنية والإعلامية فارقا كبيرا في الحالة الثقافية والوطنية الأردنية. كان الرعيل الأول من البُناة الكبار، يعلمون أهمية الأغنية والمقالة والكاريكاتور، تماما كما يعلمون فعالية ما يتطلب جهدا ووقتا ومالا أكثر كبرامج المسابقات الثقافية، والوثائقيات ليس السياسية أو التاريخية فحسب، والمسلسلات الاجتماعية بحلوها ومرها الكوميدي والتراجيدي، والأفلام بأنواعها سيما التسجيلية، دون إغفال لتلك الأفلام المعنية بالبطولات التاريخية وحتى الأساطير مما يزخر به تراثنا الروحي والحضاري في مشرقنا العظيم، من المعاني الإيجابية كالتي تتحدث مثلا عن طائر العنقاء والعُقاب والهدهد.. ردّهم كان دائما حاضرا مفحما ملجما مزلزلا لهياكل شياطين التضليل وأبالسة التدليس..
زعم عدوّ يوما ما، في مرحلة من تاريخنا، زعم أن شعبنا «لا يقرأ»، فقرر نشمي الرد المفحم، الرد المدروس المنهجي الفعّال، بإطلاق برنامج مسابقات جماهيري ريادي، رد فيه الأردنيون من جميع الشرائح والأعمار، من كافة الأصول والمنابت، ردوا برقيّهم المعرفيّ وأدائهم القريب من القلب، ردوا بحسم وحزم، على تخرّصات ذلك الدعيّ وترهّاته.. لا تستحق أسماء المسيئين الذكر، ولا حتى الإشارة إلى إساءاتهم. ما بقي هو الأثر الطيب لأولئك القادة، من الوطنيين الغيورين الذين يعرفون أمانة الكلمة، فيحسنون تقدير الموقف دائما، ويتحملون تبعاته باقتدار دائما وأبدا..
